فأما حين تجف القلوب , فلا تطيق هذه الصلة ; ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة , فالتفرق إذن خير . لأن الإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال , ولا بالقيود والأغلال ; إنما يمسكهم بالمودة والرحمة ; أو بالواجب والتجمل . فإذا بلغ الحال أن لا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج القلوب المتنافرة , فإنه لا يحكم عليها أن تقيم في سجن من الكراهية والنفرة ; أو في رباط ظاهري وانفصام حقيقي !
وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته . وكان الله واسعا حكيمًا . .
فالله يعد كلا منهما أن يغنيه من فضله هو , ومما عنده هو ; وهو - سبحانه - يسع عباده ويوسع عليهم بما يشاء في حدود حكمته وعلمه بما يصلح لكل حال .
إن دراسة هذا المنهج , وهو يعالج مشاعر النفوس , وكوامن الطباع , وأوضاع الحياة في واقعيتها الكلية . . تكشف عن عجب لا ينقضي , من تنكر الناس لهذا المنهج . . هذا المنهج الميسر , الموضوع للبشر , الذي يقود خطاهم من السفح الهابط , في المرتقى الصاعد , إلى القمة السامقة ; وفق فطرتهم واستعدادتهم ; ولا يفرض عليهم أمرا من الارتفاع والتسامي , إلا وله وتر في فطرتهم يوقع عليه ; وله استعداد في طبيعتهم يستجيشه ; وله جذر في تكوينهم يستنبته . . ثم هو يبلغ بهم - بعد هذا كله - إلى ما لا يبلغه بهم منهج آخر . . في واقعية مثالية . أو مثالية واقعية . . هي صورة طبق الأصل من تكوين هذا الكائن الفريد .
الدرس الثالث:الربط بين أحكام الله وملكه السموات والأرض
ولأن هذه الأحكام الخاصة بتنظيم الحياة الزوجية , قطاع من المنهج الرباني لتنظيم الحياة كلها ; ولأن هذا المنهج بجملته قطاع من الناموس الكوني , الذي أراده الله للكون كله , فهو يتوافق مع فطرة الله للكون , وفطرة الله للإنسان , الذي يعيش في هذا الكون . . لأن هذه هي الحقيقة العميقة في هذا المنهج الشامل الكبير , يجيء في سياق السورة بعد الأحكام الخاصة بتنظيم الأسرة , ما يربطها بالنظام الكوني كله ; وسلطان الله في الكون كله , وملكية الله للكون كله . ووحدة الوصية التي وصى الله بها الناس في كتبه كلها ; وثواب الدنيا وثواب الآخرة . . وهي القواعد التي يقوم عليها المنهج كله . قواعد الحق والعدل والتقوى:
ولله ما في السماوات وما في الأرض . ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم:أن اتقوا الله . وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا , ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا . إن يشأ يذهبكم - أيها الناس - ويأت بآخرين . وكان الله على ذلك قديرا . من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة . وكان الله سميعا بصيرًا .
ويكثر في القرآن التعقيب على الأحكام , وعلى الأوامر والنواهي بأن لله ما في السماوات وما في الأرض ; أو بأن لله ملك السماوات والأرض . فالأمران متلازمان في الحقيقة . فالمالك هو صاحب السلطان في ملكه ; وهو صاحب حق التشريع لمن يحتويهم هذا الملك . والله وحده هو المالك , ومن ثم فهو وحده صاحب السلطان الذي يشرع به للناس . فالأمران متلازمان .
كذلك يبرز هنا من وصية الله - سبحانه - لكل من أنزل عليهم كتابا . . الوصية بالتقوى , وذلك بعد تعيين من له ملكية السماوات والأرض , ومن له حق الوصية في ملكه:
(ولله ما في السماوات وما في الأرض . ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله).