بَشّöرö الْمُنَافöقöينَ بöأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلöيماً (138) الَّذöينَ يَتَّخöذُونَ الْكَافöرöينَ أَوْلöيَاء مöن دُونö الْمُؤْمöنöينَ أَيَبْتَغُونَ عöندَهُمُ الْعöزَّةَ فَإöنَّ العöزَّةَ لöلّهö جَمöيعاً (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فöي الْكöتَابö أَنْ إöذَا سَمöعْتُمْ آيَاتö اللّهö يُكَفَرُ بöهَا وَيُسْتَهْزَأُ بöهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فöي حَدöيثٍ غَيْرöهö إöنَّكُمْ إöذاً مّöثْلُهُمْ إöنَّ اللّهَ جَامöعُ الْمُنَافöقöينَ وَالْكَافöرöينَ فöي جَهَنَّمَ جَمöيعاً (140)
فعدل ألا يغفر الله لهم ; وعدل ألا يهديهم سبيلا ; لأنهم هم الذين أضاعوا السبيل بعد ما عرفوه وسلكوه . وهم الذين اختاروا السيئة والعمى , بعد ما هدوا إلى المثابة والنور . .
وإذا لم تتجرد النفس لله , لم تتحرر أبدا من ضغط القيم والأوضاع , والضرورات والمصالح , والحرص والشح . ولم ترتفع أبدا على المصالح والمغانم , والمطامع والمطامح . ولم تستشعر أبدا تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء التي يحسها القلب المملوء بالله , أمام القيم والأوضاع , وأمام الأشخاص والأحداث , وأمام القوى الأرضية والسلطان وأصحاب السلطان . .
ومن هنا تبذر بذرة النفاق . . وما النفاق في حقيقته إلا الضعف عن الإصرار على الحق في مواجهة الباطل . وهذا الضعف هو ثمرة الخوف والطمع , وتعليقهما بغير الله ; وثمرة التقيد بملابسات الأرض ومواضعات الناس , في عزلة عن منهج الله للحياة .
فهناك مناسبة في السياق بين الحديث عن الإيمان بالله , والتجرد في القيام بالشهادة له , وبين الحديث عن النفاق - إلى جانب المناسبة العامة , التي يكونها موضوع السورة الأصيل , وهو تربية الجماعة المسلمة بمنهج الإسلام ; ومعالجة الرواسب الباقية من الجاهلية ; وتعبئة النفوس كذلك ضد الضعف البشري الفطري . . ثم خوض المعركة - بهذه الجماعة - مع المشركين من حواليها , ومع المنافقين فيها . والسياق متصل في هذا الهدف العام - من مبدأ السورة إلى منتهاها .
وهكذا يستغرق الحديث عن النفاق والمنافقين بقية هذا الدرس , وهو ختام هذا الجزء . . بعد تلك الصورة التي رسمتها الآية السابقة لطائفة من المنافقين آمنوا ثم كفروا . ثم آمنوا ثم كفروا . ثم ازدادوا كفرا . .
ومن هنا تبدأ الحملة التي سبقت الإشارة إليها على النفاق والمنافقين بشتى أساليبها الجديرة بالدراسة والتأمل , لمعرفة طبيعة المنهج وهو يزاول العمل على الطبيعة ; وفي واقع الحياة والقلوب !
بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ? فإن العزة لله جميعا . وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . إنكم إذا مثلهم . إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا . الذين يتربصون بكم . فإن كان لكم فتح من الله قالوا:ألم نكن معكم ? وإن كان للكافرين نصيب قالوا:ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ? فالله يحكم بينكم يوم القيامة . ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا . إن المنافقين يخادعون الله - وهو خادعهم - وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس , ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك . لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا . .
الدرس الرابع:138 - 139 تعذيب المنافقين لموالاتهم الكافرين
تبدأ الحملة بهذا التهلكم الواضح في استعمال كلمة(بشر)مكان كلمة أنذر . وفي جعل العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين بشارة ! ثم ببيان سبب هذا العذاب الأليم , وهو ولايتهم للكافرين دون المؤمنين ; وسوء ظنهم بالله ; وسوء تصورهم لمصدر العزة والقوة .
بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما , الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ? فإن العزة لله جميعًا . .
والكافرون المذكورون هنا هم - على الأرجح - اليهود ; الذين كان المنافقون يأوون إليهم ; ويتخنسون
عندهم , ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد . والله - جل جلاله - يسأل في استنكار:لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان ? لم يضعون أنفسهم هذا الموضع , ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف ? أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين ? لقد استأثر الله - عز وجل - بالعزة ; فلا يجدها إلا من يتولاه ; ويطلبها عنده ; ويرتكن إلى حماه .
وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين , وصفتهم الأولى , وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين , كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى ; وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون . وتقرر أن العزة لله وحده ; فهي تطلب عنده وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين !
ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة , فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه . وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها . . العبودية لله . . فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى ; وأشخاص شتى ; واعتبارات شتى , ومخاوف شتى . ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار . .
وإنه إما عبودية لله كلها استعلاء وعزة وانطلاق . وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وأغلال . . ولمن شاء أن يختار . .
وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن . وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله . وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام ; ويتسمون بأسماء المسلمين , وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض , أن يتدبروا هذا القرآن . . إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين . . وإلا فإن الله غني عن العالمين !
ومما يلحق بطلب العزة عند الكفار وولايتهم من دون المؤمنين:الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر ; واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسبا وقرابة ! كما يعتز ناس بالفراعنة والأشوريين والفينيقيين والبابليين وعرب الجاهلية اعتزازا جاهليا , وحمية جاهلية . .
روى الإمام أحمد:حدثنا حسين بن محمد , حدثنا أبو بكر بن عباس . عن حميد الكندي عن عبادة ابن نسي , عن إبى ريحانة:أن النبي [ ص ] قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار , يريد بهم عزا وفخرا , فهو عاشرهم في النار . .
ذلك أن آصرة التجمع في الإسلام هي العقيدة . وأن الأمة في الإسلام هي المؤمنون بالله منذ فجر التاريخ . في كل أرض , وفي كل جيل . وليست الأمة مجموعة الأجيال من القدم , ولا المتجمعين في حيز من الأرض في جيل من الأجيال .
الدرس الخامس:140 ذم المنافقين لمجالستهم الكافرين ونهي المسلمين عن ذلك
وأولى مراتب النفاق أن يجلس المؤمن مجلسا يسمع فيه آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها , فيسكت ويتغاضى . . يسمي ذلك تسامحا , أو يسميه دهاء , أو يسميه سعة صدر وأفق وإيمانا بحرية الرأي !!! وهي هي الهزيمة الداخلية تدب في أوصاله ; وهو يموه على نفسه في أول الطريق , حياء منه أن تأخذه نفسه متلبسا بالضعف والهوان !
إن الحمية لله , ولدين الله , ولآيات الله . هي آية الإيمان . وما تفتر هذه الحمية إلا وينهار بعدها كل سد ; وينزاح بعدها كل حاجز , وينجرف الحطام الواهي عند دفعة التيار . وإن الحمية لتكبت في أول الأمر عمدا . ثم تهمد . ثم تخمد . ثم تموت !
فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس , فإما أن يدفع , وإما أن يقاطع المجلس وأهله . فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة . وهو المعبر بين الإيمان والكفر على قنطرة النفاق !
وقد كان بعض المسلمين في المدينة يجلسون في مجالس كبار المنافقين - ذوي النفوذ - وكان ما يزال لهم ذلك النفوذ . وجاء المنهج القرآني ينبه في النفوس تلك الحقيقة . . حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها , هو أولى مراحل الهزيمة . وأراد أن يجنبهم إياها . . ولكن الملابسات في ذلك الحين لم تكن تسمح بأن يأمرهم أمرا بمقاطعة مجالس القوم إطلاقا . فبدأ يأمرهم بمقاطعتها حين يسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها . . . وإلا فهو النفاق . . وهو المصير المفزع , مصير المنافقين والكافرين:
وقد نزل عليكم في الكتاب:أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها , فلا تقعدوا معهم , حتى يخوضوا في حديث غيره . إنكم إذا مثلهم . إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا . . .
والذي تحيل إليه الآية هنا مما سبق تنزيله في الكتاب , هو قوله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية - (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره). .
والتهديد الذي يرتجف له كيان المؤمن:
(إنكم إذا مثلهم). .
والوعيد الذي لا تبقى بعده بقية من تردد:
إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا . .
ولكن قصر النهي على المجالس التي يكفر فيها بآيات الله ويستهزأ بها , وعدم شموله لكل علاقات المسلمين بهؤلاء المنافقين , يشي - كما أسلفنا - بطبيعة الفترة التي كانت تجتازها الجماعة المسلمة - إذ ذاك - والتي يمكن أن تتكرر في أجيال أخرى وبيئات أخرى - كما تشي بطبيعة المنهج في أخذ الأمر رويدا رويدا ; ومراعاة الرواسب والمشاعر والملابسات والوقائع . . في عالم الواقع . . مع الخطو المطرد الثابت نحو تبديل هذا الواقع !
الدرس السادس سمات المنافقين ووعد الله بالنصر
ثم يأخذ في بيان سمات المنافقين , فيرسم لهم صورة زرية منفرة ; وهم يلقون المسلمين بوجه ويلقون الكفار بوجه ; ويمسكون العصا من وسطها , ويتلوون كالديدان والثعابين:
(الذين يتربصون بكم . فإن كان لكم فتح من الله , قالوا:ألم نكن معكم ? وإن كان للكافرين نصيب قالوا:ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ? فالله يحكم بينكم يوم القيامة . ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). .
وهي صورة منفرة . تبدأ بتقرير ما يكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر , وما يتربصون بها من الدوائر وهم - مع ذلك - يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون:حينئذ:
(ألم نكن معكم ?). .
ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة - فقد كانوا يخرجون أحيانا يخذلون ويخلخلون الصفوف:- أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم ! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم !
(وإن كان للكافرين نصيب قالوا:ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ?). .
يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم ; وخذلوا عنهم وخلخلوا الصفوف !!