بأخلاق الله سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون:إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء , فإن الله كان عفوا قديرًا . .
وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى . . في أول درجة يحدثهم عن كراهة الله - سبحانه - للجهر بالسوء . ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النصف , بالجهر بالسوء فيمن ظلمه , ومما وقع عليه من الظلم . . وفي الدرجة الثانية يرتفع بهم جيمعا إلى فعل الخير ; ويرتفع بالنفس التي ظلمت - وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر - أن تعفو وتصفح - عن مقدرة فلا عفو بغير مقدرة - فيرتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة ; وهي أرفع وأصفى . .
عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه . ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه - فالخير طيب في السر طيب في العلن - وعندئذ يشيع العفو بين الناس , فلا يكون للجهر بالسوء مجال . على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز ; وعلى أن يكون تخلقا بأخلاق الله , الذي يقدر ويعفو:
فإن الله كان عفوا قديرًا .
بعد ذلك يأخذ السياق في جولة مع (الذين أوتوا الكتاب)بصفة عامة ! ثم ينتقل منها إلى اليهود في شوط , وإلى النصارى في الشوط الآخر . . واليهود يجهرون بالسوء - إفكا وبهتانا - على مريم وعلى عيسى - ويأتي ذكر هذا الجهر في ثنايا الجولة ; فترتبط هذه الجولة بذلك البيان الذي تتضمنة الآيتان السابقتان في السياق .
والجولة كلها طرف من المعركة التي خاضها القرآن مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة . والتي سلفت منها في هذه السورة وفي سورتي البقرة وآل عمران أطراف أخرى . .
فنأخذ في استعراضها هنا كما وردت في السياق القرآني:
الدرس الثاني:150 - 152 كفر من فرقوا بين الرسل واشتراط الإيمان بهم جميعا
إن الذين يكفرون بالله ورسله ; ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ; ويقولون:نؤمن ببعض ونكفر ببعض ; ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا . أولئك هم الكافرون حقا , وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا . والذين آمنوا بالله ورسله , ولم يفرقوا بين أحد منهم , أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ; وكان الله غفورا رحيمًا .
لقد كان اليهود يدعون الإيمان بأنبيائهم ; وينكرون رسالة عيسى ورسالة محمد ; كما كان النصارى يقفون بإيمانهم عند عيسى - فضلا عن تأليهه - وينكرون رسالة محمد كذلك .
وكان القرآن ينكر على هؤلاء وهؤلاء ; ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان بالله ورسوله ; بدون تفريق بين الله ورسله ; وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعا . وبهذا الشمول كان الإسلام هو "الدين" الذي لا يقبل الله من الناس غيره , لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية الله ; ومقتضيات هذه الوحدانية .
إن التوحيد المطلق لله سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر , وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس . . وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية الله في الحقيقة ; وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية . فدين الله للبشر ومنهجه للناس , هو هو لا يتغير في أساسه كما أنه لا يتغير في مصدره .