إنها حملة تفضحهم وتكشفهم ; وتدل قوتها وتنوع اتجاهاتها , على ما كان يقتضيه الموقف لمواجهة خبث الكيد اليهودي للإسلام ونبي الإسلام في ذلك الأوان . . وهو هو خبث الكيد الذي ما يزالون يزاولونه ضد هذا الدين وأهله حتى الآن .
(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء). . .
فلا عليك من هذا التعنت ; ولا غرابة فيه ولا عجب منه:
(فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا:أرنا الله جهرة).
ولم تبلغ الآيات البينات التي أظهرها الله لهم على يد موسى نبيهم أن تلمس حسهم ; وتوقظ وجدانهم وتقود قلوبهم إلى الطمأنينة والاستسلام ; فإذا هم يطلبون رؤية الله - سبحانه - عيانا ! وهو مطلب طابعة التبجح الذي لا يصدر عن طبع خالطته بشاشة الإيمان ; أو فيه استعداد للإيمان .
(فأخذتهم الصاعقة بظلمهم). .
ولكن الله - سبحانه - عفا عنهم ; وتقبل فيهم دعاء موسى عليه السلام وضراعته إلى ربه ; كما ورد في السورة الأخرى (فلما أخذتهم الرجفة , قال:رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي . أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ? إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء . أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة . إنا هدنا إليك . . .).
(ثم اتخذوا العجل - من بعد ما جاءتهم البينات -).
عجل الذهب , الذي صاغه لهم السامري , مما كانوا قد أخذوه - حيلة - من نساء المصريين وهم خارجون من مصر - فإذا هم يعكفون عليه ; ويتخذونه إلها في غيبة موسى عنهم في مناجاة ربه , في الموعد الذي حدده له , لينزل عليه الألواح فيها هدى ونور .
(فعفونا عن ذلك). .
ولكن اليهود هم اليهود . لا يفلح معهم إلا القهر والخوف:
وآتينا موسى سلطانا مبينا . ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم . وقلنا لهم:ادخلوا الباب سجدا . وقلنا لهم:لا تعدوا في السبت . وأخذنا منهم ميثاقا غليظًا . .
والسلطان الذي آتاه الله موسى هو - في الغالب - الشريعة التي تضمنتها الألواح , فشريعة الله سلطان من الله ; وكل شريعة غير شريعة الله ما أنزل الله بها من سلطان ; وما جعل فيها من سطوة على القلوب . لذلك تستهين القلوب بالشرائع والقوانين التي يسنها البشر لأنفسهم , ولا تنفذها إلا تحت عين الرقيب وسيف الجلاد . فأما شريعة الله فالقلوب تخضع لها وتخنع ; ولها في النفس مهابة وخشية . .
ولكن اليهود الذين لا تستشعر قلوبهم الإيمان أبوا الاستسلام لما في الألواح . . وهنا جاءهم القهر المادي الذي يناسب طبيعتهم الغليظة . إذ نظروا فرأوا الصخرة معلقة فوق رؤوسهم ; تهددهم بالوقوع عليهم ; إذا هم لم يستسلموا ولم يتعهدوا بأخذ ما أعطاهم الله من العهد ; وما كتب عليهم من التكاليف في الألواح . . عندئذ فقط استسلموا ; وأخذوا العهد ; وأعطوا الميثاق . . ميثاقا غليظا . . مؤكدا وثيقا . . يذكره - بهذه الصفة - ليتناسق المشهد مع غلظ الصخر المرفوع فوقهم , وغلظ القلب الذي في صدورهم , ثم يعطي - إلى جانب