التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير , وبالتخييل الحسي والتجسيم . وكان في هذا الميثاق:أن يدخلوا بيت المقدس سجدا . وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدا . ولكن ماذا كان ? إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم ; وغياب القهر لهم , تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه , وكفروا بآيات الله , وقتلوا أنبياءه بغير حق . وتبجحوا فقالوا:إن قلوبنا لا تقبل موعظة , ولا يصل إليها قول , لأنها مغلفة دون كل قول ! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين - في مواجهة اليهود - في سياق هذه الآيات . .
فبما نقضهم ميثاقهم , وكفرهم بآيات الله , وقتلهم الأنبياء بغير حق , وقولهم قلوبنا غلف . . .
وعند قولهم: (قلوبنا غلف). . وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول [ ص ] إما تيئيسا له من إيمانهم واستجابتهم , وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم , وتبجحا بالتكذيب وعدم الإصغاء , وإما هذا وذلك معا . . عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم:
(بل طبع الله عليها - بكفرهم - فلا يؤمنون إلا قليلا -)
فهي ليست مغلفة بطبعها . إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم , فإذا هي صلدة جامدة مغطاة , لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته , فلا يقع منه الإيمان , إلا قليلا , ممن لم يستحق بفعله , أن يطبع الله على قلبه . أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه , فهداهم الله إليه ورزقهم إياه . وهم قلة قليلة من اليهود . كعبد الله بن سلام , وثعلبة بن سعية , وأسد بن سعية , وأسد بن عبيدالله . .
وبعد هذا الاستدراك والتعقيب , يعود السياق إلى تعداد الأسباب التي استحقوا عليها ما استحقوا من تحريم بعض الطيبات عليهم في الدنيا , ومن إعداد النار وتهيئتها لهم , لتكون في انتظارهم في الآخرة !
وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما . وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله . . .
ويكرر صفة الكفر كلما ذكر إحدى منكراتهم . فقد ذكرها عند قتلهم الأنبياء بغير حق - وما يقتل نبي بحق أبدا فهي حال لتقرير الواقع - وذكرها هنا بمناسبة قولهم على مريم بهتانا عظيما . وقد قالوا على مريم الطاهرة ذلك المنكر الذي لا يقوله إلا اليهود ! فرموها بالزنا مع يوسف النجار - لعنة الله عليهم ! ثم تبجحوا بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه , وهم يتهكمون بدعواه الرسالة فيقولون:قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله !
وحين يصل السياق إلى هذه الدعوى منهم يقف كذلك للرد عليها , وتقرير الحق فيها:
(وما قتلوه وما صلبوه , ولكن شبه لهم , وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ; ما لهم به من علم إلا اتباع الظن . وما قتلوه يقينا . بل رفعه الله إليه , وكان الله عزيزا حكيمًا . .
إن قضية قتل عيسى عليه السلام وصلبه , قضية يخبط فيها اليهود - كما يخبط فيها النصارى بالظنون - فاليهود يقولون:إنهم قتلوه ويسخرون من قوله:إنه رسول الله , فيقررون له هذه الصفة على سبيل السخرية ! والنصارى يقولون:إنه صلب ودفن , ولكنه قام بعد ثلاثة أيام . و"التاريخ" يسكت عن مولد المسيح ونهايته كأن لم تكن له في حساب !