الساعة . . وقال جماعة وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته . . أي موت الكتابي - وذلك على القول بأن الميت - وهو في سكرات الموت - يتبين له الحق , حيث لا ينفعه أن يعلم ! ونحن أميل إلى هذا القول الثاني ; الذي ترشح له قراءة أبى:"إلا ليؤمنن به قبل موتهم" . . فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير ; وأنه أهل الكتاب . . وعلى هذا الوجه يكون المعنى:أن اليهود الذين كفروا بعيسى - عليه السلام - وما زالوا على كفرهم به , وقالوا:إنهم قتلوه وصلبوه , ما من أحد منهم يدركه الموت , حتى تكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح , فيرى أن عيسى حق , ورسالته حق , فيؤمن به , ولكن حين لا ينفعه إيمان . . ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا .
بذلك يحسم القرآن الكريم قصة الصلب . ثم يعود بعدها إلى تعداد مناكر اليهود ; وما نالهم عليها من الجزاء الأليم في الدنيا والآخرة .
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . وبصدهم عن سبيل الله كثيرا . وأخذهم الربا وقد نهوا عنه . وأكلهم أموال الناس بالباطل . وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليمًا . .
فيضيف إلى ما سبق من مناكرهم هذه المنكرات الجديدة:الظلم . والصد الكثير عن سبيل الله . فهم ممعنون فيه ودائبون عليه . وأخذهم الربا - لا عن جهل ولا عن قلة تنبيه - فقد نهوا عنه فأصروا عليه ! وأكلهم أموال الناس بالباطل . بالربا وبغيره من الوسائل .
بسبب من هذه المنكرات , ومما أسلفه السياق منها . . حرمت عليهم طيبات كانت حلالا لهم . وأعد الله للكافرين منهم عذابا أليمًا .
وهكذا تتكشف هذه الحملة عن كشف طبيعة اليهود وتاريخهم ; وفضح تعلاتهم وعدم الاستجابة للرسول وتعنتهم ; ودمغهم بالتعنت مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم ; ويسر ارتكابهم للمنكر وجهرهم بالسوء في حق الأنبياء والصالحين . بل قتلهم والتبجح بقتلهم ! وتسقط بذلك وتتهاوى دسائس اليهود في الصف المسلم وكيدهم ومكرهم وحبائلهم . وتعرف الجماعة المسلمة - ما ينبغي أن تعرفه الأمة المسلمة في كل حين - عن طبيعة اليهود وجبلتهم , ووسائلهم وطرائقهم ; ومدى وقوفهم للحق في ذاته سواء جاء من غيرهم أو نبع فيهم . فهم أعداء للحق وأهله , وللهدى وحملته . في كل أجيالهم وفي كل أزمانهم . مع أصدقائهم ومع أعدائهم . . لأن جبلتهم عدوة للحق في ذاته ; جاسية قلوبهم , غليظة أكبادهم لا يحنون رؤوسهم إلا للمطرقة ! ولا يسلمون للحق إلا وسيف القوة مصلت على رقابهم . .
وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق , ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة . فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت , فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها , وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها ; وإذا استرشدت به أرشدها . وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود , فدانت لها رقابهم . . ثم لما اتخذته مهجورا دانت هي لليهود , كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشر ذمة الصغيرة , وهي غافلة عن كتابها . . القرآن . . شاردة عن هدية , ملقية به وراءها ظهريا ! متبعة قول فلان وفلان !! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود , حتى تثوب إلى القرآن . .
ولا يترك السياق الموقف مع اليهود , حتى ينصف القليل المؤمن منهم ; ويقرر حسن جزائهم , وهو يضمهم إلى موكب الإيمان العريق , ويشهد لهم بالعلم والإيمان , ويقرر أن الذي هداهم إلى التصديق بالدين كله:ما أنزل إلى الرسول [ ص ] وما أنزل من قبله , هو الرسوخ في العلم وهو الإيمان: