|
في ظلال القرآن
الكريم
النساء من الاية 172 الى الاية 172 لَّن يَسْتَنكöفَ الْمَسöيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لّöلّهö وَلاَ الْمَلآئöكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكöفْ عَنْ عöبَادَتöهö وَيَسْتَكْبöرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إöلَيهö جَمöيعاً (172)
هو إله لهم وهم عبيده . . هو خالق لهم وهم مخاليق . . هو مالك لهم وهم مماليك . . وهم كلهم سواء في هذه الصلة , لا بنوة لأحد . ولا امتزاج بأحد . . ومن ثم لا قربى لأحد إلا بشيء يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه:التقوى والعمل الصالح . . وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله . فأما البنوة , وأما الامتزاج فانى بهما لكل أحد ?! ولا تستقيم حياتهم وارتباطاتهم ووظائفهم في الحياة , إلا حين تستقر في أخلادهم تلك الحقيقة:أنهم كلهم عبيد لرب واحد . . ومن ثم فموقفهم كلهم تجاه صاحب السلطان واحد . . فأما القربى إليه ففي متناول الجميع . . عندئذ تكون المساواة بين بني الانسان , لانهم متساوون في موقفهم من صاحب السلطان . . وعندئذ تسقط كل دعوى زائفة في الوساطة بين الله والناس ; وتسقط معها جميع الحقوق المدعاة لفرد أو لمجموعة أو لسلسلة من النسب لطائفة من الناس . . وبغير هذا لا تكون هناك مساواة أصيلة الجذور في حياة بني الإنسان ومجتمعهم ونظامهم ووضعهم في هذا النظام ! فالمسألة - على هذا - ليست مسألة عقيدة وجدانية يستقر فيها القلب على هذا الأساس الركين , فحسب , إنما هي كذلك مسألة نظام حياة , وارتباطات مجتمع , وعلاقات أمم وأجيال من بني الإنسان . إنه ميلاد جديد للإنسان على يد الإسلام . . ميلاد للإنسان المتحرر من العبودية للعباد , بالعبودية لرب العباد . . ومن ثم لم تقم في تاريخ الإسلام "كنيسة " تستذل رقاب الناس , بوصفها الممثلة لابن الله , أو للأقنوم المتمم للأقانيم الإلهية ; المستمدة لسلطانها من سلطان الابن أو سلطان الأقنوم . ولم تقم كذلك في تاريخ الإسلام سلطة مقدسة تحكم "بالحق الإلهي" زاعمة أن حقها في الحكم والتشريع مستمد من قرابتها أو تفويضها من الله ! وقد ظل "الحق المقدس" للكنيسة والبابوات في جانب ; وللأباطرة الذين زعموا لأنفسهم حقا مقدسا كحق الكنيسة في جانب . . ظل هذا الحق أو ذاك قائما في أوربا باسم [ الابن ] أو مركب الأقانيم . حتى جاء "الصليبيون" إلى أرض الإسلام مغيرين . فلما ارتدوا أخذوا معهم من أرض الإسلام بذرة الثورة على "الحق المقدس" وكانت فيما بعد ثورات "مارتن لوثر" و "كالفن" و "زنجلي" المسماة بحركة الإصلاح . . على أساس من تأثير الإسلام , ووضوح التصور الإسلامي , ونفي القداسة عن بني الإنسان ; ونفي التفويض في السلطان لأنه ليست هنالك إلا ألوهية وعبودية في عقيدة الإسلام . . وهنا يقول القرآن كلمة الفصل في ألوهية المسيح وبنوته ; وألوهية روح القدس [ أحد الأقانيم ] وفي كل أسطورة عن بنوة أحد لله , أو ألوهية أحد مع الله , في أي شكل من الأشكال . . يقول القرآن كلمة الفصل بتقريره أن عيسى بن مريم عبد لله ; وأنه لن يستنكف أن يكون عبدالله . وأن الملائكة المقربين عبيد لله ; وأنهم لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله . وأن جميع خلائقه ستحشر إليه . وأن الذين يستنكفون عن صفة العبودية ينتظرهم العذاب الأليم . وأن الذين يقرون بهذه العبودية لهم الثواب العظيم: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله - ولا الملائكة المقربون - ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما , ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرًا . إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدا لله . لأنه - عليه السلام - وهو نبي الله ورسوله - خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ; وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان . وهو خير من يعرف أنه من خلق الله ; فلا يكون خلق الله كالله ; أو بعضا من الله ! وهو خير من يعرف أن العبودية لله - فضلا على أنها الحقيقة المؤكدة الوحيدة - لا تنقص من قدره . فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء . وهي المرتبة التي يصف الله بها رسله , وهم في أرقى حالاتهم وأكرمها عنده . . وكذلك الملائكة المقربون - وفيهم روح القدس جبريل - شأنهم شأن عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء - فما بال جماعة من أتباع المسيح يأبون له ما يرضاه لنفسه ويعرفه حق المعرفة ?! (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا). . فاستنكافهم واستكبارهم لا يمنعهم من حشر الله لهم بسلطانه . . سلطان الألوهية على العباد . . شأنهم في هذا شأن المقرين بالعبودية المستسلمين لله . . فأما الذين عرفوا الحق , فأقروا بعبوديتهم لله ; وعملوا الصالحات لأن عمل الصالحات هو الثمرة الطبيعية لهذه المعرفة وهذا الإقرار ; فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . (وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا). . وما يريد الله - سبحانه - من عباده أن يقروا له بالعبودية , وأن يعبدوه وحده , لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم , ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص من شيء . ولكنه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , لتصح تصوراتهم ومشاعرهم , كما تصح حياتهم وأوضاعهم . فما يمكن أن تستقر التصورات والمشاعر , ولا أن تستقر الحياة والأوضاع , على أساس سليم قويم , إلا بهذه المعرفة وما يتبعها من إقرار , وما يتبع الإقرار من آثار . . يريد الله - سبحانه - أن تستقر هذه الحقيقة بجوانبها التي بيناها في نفوس الناس وفي حياتهم . ليخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . ليعرفوا من صاحب السلطان في هذا الكون وفي هذه الأرض ; فلا يخضعوا إلا له , وإلا لمنهجه وشريعته للحياة , وإلا لمن يحكم حياتهم بمنهجه وشرعه دون سواه . يريد أن يعرفوا أن العبيد كلهم عبيد ; ليرفعوا جباههم أمام كل من عداه ; حين تعنو له وحده الوجوه والجباه . يريد أن يستشعروا العزة أمام المتجبرين والطغاة , حين يخرون له راكعين ساجدين يذكرون الله ولا يذكرون أحدا إلا الله . يريد أن يعرفوا أن القربى إليه لا تجيء عن صهر ولا نسب . ولكن تجيء عن تقوى وعمل صالح ; فيعمرون الأرض ويعملون الصالحات قربى إلى الله . يريد أن تكون لهم معرفة بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , فتكون لهم غيره على سلطان الله في الأرض أن يدعيه المدعون باسم الله أو باسم غير الله فيردون الأمر كله لله . . ومن ثم تصلح حياتهم وترقى وتكرم على هذا الأساس . . إن تقدير هذه الحقيقة الكبيرة ; وتعليق أنظار البشر لله وحده ; وتعليق قلوبهم برضاه ; وأعمالهم بتقواه ; ونظام حياتهم بإذنه وشرعه ومنهجه دون سواه . . إن هذا كله رصيد من الخير والكرامة والحرية والعدل والاستقامة يضاف إلى حساب البشرية في حياتها الأرضية ; وزاد من الخير والكرامة والحرية والعدل والاستقامة تستمتع به في الأرض . . في هذه الحياة . . فأما ما يجزي الله به المؤمنين المقرين بالعبودية العاملين للصالحات , في الآخرة , فهو كرم منه وفضل في حقيقة الأمر . وفيض من عطاء الله . وفي هذا الضوء يجب أن ننظر إلى قضية الإيمان بالله في الصورة الناصعة التي جاء بها الإسلام ; وقرر أنها
السابق - التالي
|