فأما الذين لهم ذوق خاص في هذه اللغة , وحس خاص بأساليبها , فقد كان من أمرهم ما كان ; يوم واجههم محمد [ ص ] بهذا القرآن . . وقصة الأخنس بن شريق , وأبى سفيان بن حرب , وأبى جهل وعمرو بن هشام , في الاستماع سرا للقرآن , وهم به مأخوذون , قصة مشهورة . وهي إحدى القصص الكثيرة . . والذين لهم ذوق في أي جيل يعرفون ما في القرآن من خصوصية وسلطان وبرهان من هذا الجانب . .
فأما فحوى القرآن . . التصور الذي يحمله . والمنهج الذي يقرره . والنظام الذي يرسمه . و"التصميم" الذي يضعه للحياة . . فلا نملك هنا أن نفصله . . ولكن فيه البرهان كل البرهان على المصدر الذي جاء منه ; وعلى أنه ليس من صنع الإنسان , لأنه يحمل طابع صنعة كاملة ليس هو طابع الإنسان .
وفي هذا القرآن نور:
وأنزلنا إليكم نورا مبينًا . .
نور تتجلى تحت أشعته الكاشفة حقائق الأشياء واضحة ; ويبدو مفرق الطريق بين الحق والباطل محددا مرسوما . . في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء . . حيث تجد النفس من هذا النور ما ينير جوانبها أولا ; فترى كل شيء فيها ومن حولها واضحا . . حيث يتلاشى الغبش وينكشف ; وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهية , وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة ?!
وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة ; ويتلقى منه تصوراته وقيمه وموازينه , يحس يسرا وبساطة ووضوحا في رؤية الأمور . ويشعر أن مقررات كثيرة كانت قلقة في حسه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء ; وتلتزم حقائقها في يسر ; وتنفي ما علق بها من الزيادات المتطفلة لتبدو في براءتها الفطرية , ونصاعتها كما خرجت من يد الله . .
ومهما قلت في هذا التعبير:"وأنزلنا إليكم نورا مبينًا . . فإنني لن أصور بألفاظي حقيقته , لمن لم يذق طعمه ولم يجده في نفسه ! ولا بد من المكابدة في مثل هذه المعاني ! ولا بد من التذوق الذاتي ! ولا بد من التجربة المباشرة !
فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل , ويهديهم إليه صراطا مستقيمًا . .