ناحية المبدأ - كما حفظ به حقوق الصغار الذين كانت الجاهلية تظلمهم وتأكل حقوقهم . لأن الجاهلية كانت تنظر إلى الأفراد حسب قيمتهم العملية في الحرب والإنتاج . أما الإسلام فجاء بمنهجه الرباني , ينظر إلى "الإنسان" - أولا - حسب قيمته الإنسانية . وهي القيمة الأساسية التي لا تفارقه في حال من الأحوال ! ثم ينظر إليه - بعد ذلك - حسب تكاليفه الواقعية في محيط الأسرة وفي محيط الجماعة . ولما كان نظام التوريث - كما سيجيء - يحجب فيه بعض ذوي القربى بعضا , فيوجد ذوو قرابة , ولكنهم لا يرثون , لأن من هم أقرب منهم سبقوهم فحجبوهم , فإن السياق يقرر للمحجوبين حقا لا يحدده - إذا هم حضروا القسمة - تطييبا لخاطرهم , كي لا يروا المال يفرق وهم محرومون , واحتفاظا بالروابط العائلية , والمودات القلبية . كذلك يقرر لليتامى والمساكين مثل هذا الحق تمشيا مع قاعدة التكافل العام:
(وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين , فارزقوهم منه , وقولوا لهم قولا معروفا). .
وقد وردت في هذه الآية روايات شتى عن السلف . ما بين قولهم إنها منسوخة , نسختها آيات الميراث المحددة للأنصبة , وقولهم:إنها محكمة . وما بين قولهم:إن مدلولها واجب مفروض , وقولهم:إنه مستحب ما طابت به أنفس الورثة . . ونحن لا نرى فيها دليلا للنسخ , ونرى أنها محكمة وواجبة . في مثل هذه الحالات التي ذكرنا . معتمدين على إطلاق النص من جهة , وعلى الاتجاه الإسلامي العام في التكافل من جهة أخرى . . وهي شيء آخر غير أنصبة الورثة المحددة في الآيات التالية على كل حال .
وقبل أن يأخذ السياق في تحديد أنصبة الورثة , يعود ليحذر من أكل أموال اليتامى . . يعود إليه في هذه المرة ليلمس القلوب لمستين قويتين:أولاهما تمس مكمن الرحمة الأبوية والإشفاق الفطري على الذرية الضعاف وتقوى الله الحسيب الرقيب . والثانية تمس مكان الرهبة من النار , والخوف من السعير , في مشهد حسي مفزع:
(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم . فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا . إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا , وسيصلون سعيرا). .
وهكذا تمس اللمسة الأولى شغاف القلوب . قلوب الآباء المرهفة الحساسية تجاه ذريتهم الصغار . بتصور ذريتهم الضعاف مكسوري الجناح , لا راحم لهم ولا عاصم . كي يعطفهم هذا التصور على اليتامى الذين وكلت إليهم أقدارهم , بعد أن فقدوا الآباء . فهم لا يدرون أن تكون ذريتهم غدا موكولة إلى من بعدهم من الأحياء , كما وكلت إليهم هم أقدار هؤلاء . . مع توصيتهم بتقوى الله فيمن ولاهم الله عليهم من الصغار , لعل الله أن يهييء لصغارهم من يتولى أمرهم بالتقوى والتحرج والحنان . وتوصيتهم كذلك بأن يقولوا في شأن اليتامى قولا سديدا , وهم يربونهم ويرعونهم كما يرعون أموالهم ومتاعهم . .
أما اللمسة الثانية , فهي صورة مفزعة:صورة النار في البطون . . وصورة السعير في نهاية المطاف . . إن هذا المال . . نار . . وإنهم ليأكلون هذه النار . وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود . هي النار من باطن وظاهر . هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود , وحتى لتكاد تراها العيون , وهي تشوي البطون والجلود !
ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية , بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين . خلصتها من رواسب