|
في ظلال القرآن
الكريم
النور من الاية 10 الى الاية 10 وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابñ حَكöيمñ (10)
وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج , يناسب دقة الحالة وحرج الموقف . ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته ; وليس له من شاهد إلا نفسه . فعندئذ يحلف أربع مرات بالله إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا , ويحلف يمينا خامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . وتمسى هذه شهادات لأنه الشاهد الوحيد . فإذا فعل أعطاها قدر مهرها , وطلقت منه طلقة بائنة , وحق عليها حد الزنا وهو الرجم . . ذلك إلا أن ترغب في درء الحد عنها فإنها عندئذ تحلف بالله أربع مرات أنه كاذب عليها فيما رماها به ; وتحلف يمينا خامسة بأن غضب الله عليها إن كان صادقا وهي كاذبة . . بذلك يدرأ عنها الحد , وتبين من زوجها بالملاعنة ; ولا ينسب ولدها - إن كانت حاملا - إليه بل إليها . ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد . . وقد عقب على هذا التخفيف والتيسير , ومراعاة الأحوال والظروف بقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته , وأن الله تواب حكيم). . ولم يبين ما الذي كان يكون لولا فضل الله ورحمته بمثل هذه التيسيرات , وبالتوبة بعد مقارفة الذنوب . . لم يبينه ليتركه مجملا مرهوبا , يتقيه المتقون . والنص يوحي بأنه شر عظيم . وقد وردت روايات صحيحة في سبب نزول هذا الحكم: روى الإمام أحمد - يإسناده - عن ابن عباس قال:لما نزلت: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة , ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا)قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار - رضي الله عنه -:أهكذا أنزلت يا رسول الله ? فقال رسول الله [ ص ]:" يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ? " فقالوا:يا رسول الله لا تلمه , فإنه رجل غيور . والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا , وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته . . فقال سعد:والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق , وأنها من الله ; ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء . فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته . . قال:فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية , فجاء من أرضه عشاء , فوجد عند أهله رجلا , فرأى بعينيه , وسمع بأذنيه , فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله [ ص ] فقال:يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء , فوجدت عندها رجلا , فرأيت بعيني وسمعت بأذني . . فكره رسول الله [ ص ] ما جاء به ; واشتد عليه ; واجتمعت عليه الأنصار وقالوا:قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة , إلا أن يضرب رسول الله [ ص ] هلال بن أمية , ويبطل شهادته في الناس . فقال هلال:والله إني لأرجو أن يجعل الله منها مخرجا . وقال هلال:يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به , والله يعلم إني لصادق . . فوالله إن رسول الله [ ص ] يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله [ ص ] الوحي . وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه . [ يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي ] فنزلت: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله . . . الآية فسري عن رسول الله [ ص ] فقال:" أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا " . . فقال هلال:قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل . فقال رسول الله [ ص ]:" أرسلوا إليها " فأرسلوا إليها فجاءت ; فتلاها رسول الله [ ص ] عليهما , فذكرهما , وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا . فقال هلال:والله يا رسول الله لقد صدقت عليها . فقالت:كذب . فقال رسول الله [ ص ]:" لاعنوا بينهما " . . فقيل لهلال:اشهد . فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . فلما كانت الخامسة قيل له:يا هلال اتق الله , فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة , وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فقال:والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها . فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . . ثم قيل للمرأة . اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . وقيل لها عند الخامسة:اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة . وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف . ثم قالت:والله لا أفضح قومي . فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين . . ففرق رسول الله [ ص ] بينهما ; وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ; ولا يرمي ولدها ; ومن رمى ولدها فعليه الحد ; وقضى أن لا بيت لها عليه , ولا قوت لها , من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها . وقال:" إن جاءت به , أصهيب أريسح حمش الساقين فهو لهلال . . وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به " . . فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين . فقال رسول الله [ ص ]:" لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " . . وهكذا جاء هذا التشريع لمواجهة حالة واقعة بالفعل , وعلاج موقف صعب على صاحبه وعلى المسلمين , قد اشتد على رسول الله [ ص ] ولم يجد منه مخرجا , حتى طفق يقول لهلال بن أمية - كما ورد في رواية البخاري - " البينة أو حد في ظهرك " وهلال يقول:يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ? ولقد يقول قائل:أليس الله - سبحانه - يعلم أن هذه الحالة قد تعترض التشريع العام للقذف ; فلماذا لم ينزل الله الاستثناء إلا بعد ذلك الموقف المحرج ? والجواب:بلى إنه سبحانه ليعلم . ولكن حكمته تقتضي أن ينزل التشريع عند الشعور بالحاجة إليه , فتستقبله نفوس الناس باللهفة إليه , وإدراك ما فيه من حكمة ورحمة . ومن ثم عقب عليه بقوله:(ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم). ونقف قليلا أمام هذه الواقعة , لنرى كيف صنع الإسلام , وكيف صنعت تربية رسول الله [ ص ] للناس لهذا القرآن . . كيف صنع هذا بالنفس العربية الغيور الشديدة الانفعال , المتحمسة التي لا تفكر
السابق - التالي
|