وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية , التي تطهرت بنور الله . أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه , والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه . فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو ; وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم ?)حتى يرتفع على الآلام , ويرتفع على مشاعر الإنسان , ويرتفع على منطق البيئة . وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله . فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول:بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه , ويحلف:والله لا أنزعها منه أبدا . ذلك في مقابل ما حلف:والله لا أنفعه بنافعة أبدا . بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير , ويغسله من أوضار المعركة , ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور . .
الدرس الخامس:23 - 25 وعيد من يقذفون المؤمنات الغافلات
ذلك الغفران الذي يذكر الله المؤمنين به . إنما هو لمن تاب عن خطيئة رمي المحصنات وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا . فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار , كأمثال ابن أبي فلا سماحة ولا عفو . ولو أفلتوا من الحد في الدنيا , لأن الشهود لم يشهدوا فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة . ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود:
(إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة , ولهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق , ويعلمون أن الله هو الحق المبين). .
ويجسم التعبير جريمة هؤلاء ويبشعها ; وهو يصورها رميا للمحصنات المؤمنات وهن غافلات غارات , غير آخذات حذرهن من الرمية . وهن بريئات الطوايا مطمئنات لا يحذرن شيئا , لأنهن لم يأتين شيئا يحذرنه ! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة . ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة . لعنة الله لهم . وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة . ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم). . فإذا بعضهم يتهم بعضا بالحق , إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك ! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة , على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني .
(يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق). . ويجزيهم جزاءهم العدل , ويؤدي لهم حسابهم الدقيق . ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون: (ويعلمون أن الله هو الحق المبين). .
الدرس السادس:26 الصالحات للصالحين وبراءة عائشة
ويختم الحديث عن حادث الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركبه في الفطرة , وحققه في واقع الناس . وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة , وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة . وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج . وما كان يمكن أن تكون عائشة - رضي الله عنها - كما رموها , وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض:
الخبيثات للخبيثين , والخبيثون للخبيثات . والطيبات للطيبين , والطيبون للطيبات . أولئك مبرأون مما يقولون , لهم مغفرة ورزق كريم . .
ولقد أحبت نفس رسول الله [ ص ] عائشة حبا عظيما . فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه