يحوي هذا الشوط صوراً من الشكر والبطر ; وصوراً من تسخير الله لمن يشاء من عباده قوى وخلقا لا تسخر عادة للبشر . ولكن قدرة الله ومشيئته لا يقيدهما مألوف البشر . وتتكشف من خلال هذه الصور وتلك حقائق عن الشياطين الذين كان يعبدهم بعض المشركين , أو يطلبون عندهم علم الغيب وهم عن الغيب محجوبون . وعن أسباب الغواية التي يتسلط بها الشيطان على الإنسان , وما له عليه من سلطان إلا ما يعطيه من نفسه باختياره . وعن تدبير الله في كشف ما هو مكنون من عمل الناس وبروزه في صورة واقعة لينالوا عليه الجزاء في الآخرة .
وبذكر الآخرة ينتهي هذا الشوط كما انتهى الشوط الأول في السورة . .
الدرس الأول:10 - 11 فضل الله على نبيه داود
(ولقد آتينا داود منا فضلاً . يا جبال أوبي معه والطير . وألنا له الحديد أن اعمل سابغات , وقدّر في السرد , واعملوا صالحاً . إني بما تعملون بصير). .
وداود عبد منيب , كالذي ختم بذكره الشوط الأول: (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب). . والسياق يعقب بقصته بعد تلك الإشارة ; ويقدم لها بذكر ما آتاه الله له من الفضل . ثم يبين هذا الفضل:
(يا جبال أوبي معه والطير). .
وتذكر الروايات أن داود عليه السلام أوتي صوتاً جميلاً خارقاً في الجمال ; كان يرتل به مزاميره , وهي تسابيح دينية , ورد منها في كتاب "العهد القديم" ما الله أعلم بصحته . وفي الصحيح أن رسول الله [ ص ] سمع صوت أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته . ثم قال [ ص ]:" لقد أوتي هذا مزماراً من زمامير آل داود " .
والآية تصور من فضل الله على داود - عليه السلام - أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات ; فاتصلت حقيقتها بحقيقته , في تسبيح بارئها وبارئه ; ورجّعت معه الجبال والطير , إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز , حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة ; تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع , وبين كائن من خلق الله وكائن ; وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة , التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق ; فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق , وتتلاقى في نغمة واحدة , وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من الله , يزيح عنه حجاب كيانه المادي , ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود , وكل ما فيه وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود .
وحين انطلق صوت داود - عليه السلام - يرتل مزاميره ويمجد خالقه , رجّعت معه الجبال والطير , وتجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد , المتجهة إلى بارئه الواحد . . وإنها للحظات عجيبة لا يتذوقها إلا من عنده بها خبر , ومن جرب نوعها ولو في لحظة من حياته !
(وألنا له الحديد).
وهو طرف آخر من فضل الله عليه . وفي ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر . فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلاً للطرق , إنما كان - والله أعلم - معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة . وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلاً من الله يذكر . ولكننا إنما نتأثر جو السياق وظلاله وهو جو معجزات , وهي ظلال خوارق خارجة على المألوف .
(أن اعمل سابغات وقدّر في السرد).