(فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق). .
شردوا ومزقوا ; وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل ; وعادوا أحاديث يرويها الرواة , وقصة على الألسنة والأفواه . بعد أن كانوا أمة ذات وجود في الحياة .
(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور). .
يذكر الصبر إلى جوار الشكر . . الصبر في البأساء . والشكر في النعماء . وفي قصة سبأ آيات لهؤلاء وهؤلاء .
هذا فهم في الآية . وهناك فهم آخر . فقد يكون المقصود بقوله: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة). . أي قرى غالبة ذات سلطان . بينما تحول سبأ إلى قوم فقراء , حياتهم صحراوية جافة . وكثرت أسفارهم وانتقالاتهم وراء المراعي ومواضع الماء . فلم يصبروا على الابتلاء . وقالوا: (ربنا باعد بين أسفارنا). . أي قلل من أسفارنا فقد تعبنا . ولم يصحبوا هذا الدعاء باستجابة وإنابة لله تستحق استجابته لدعائهم . وكانوا قد بطروا النعمة , ولم يصبروا للمحنة . ففعل الله بهم ما فعل , ومزقهم كل ممزق ; فأصبحوا أثراً بعد عين , وحديثاً يروى وقصة تحكى . . ويكون التعقيب: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور). . مناسباً لقلة شكرهم على النعمة , وقلة صبرهم على المحنة . . وهو وجه رأيته في الآية والله أعلم بمراده .
الدرس الرابع:20 - 21 سبب هلاك سبأ متابعتهم للشيطان
وفي ختام القصة يخرج النص من إطار القصة المحدود , إلى إطار التدبير الإلهي العام , والتقدير المحكم الشامل , والسنة الإلهية العامة ; ويكشف عن الحكمة المستخلصة من القصة كلها , وما يكمن فيها وخلفها من تقدير وتدبير:
(ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه . إلا فريقاً من المؤمنين . وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك . وربك على كل شيء حفيظ). .
لقد سلك القوم هذا المسلك , الذي انتهى إلى تلك النهاية , لأن إبليس صدق عليهم ظنه في قدرته على غوايتهم , فأغواهم , (فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين). . كما يقع عادة في الجماعات فلا تخلو من قلة مؤمنة تستعصي على الغواية ; وتثبت أن هنالك حقاً ثابتاً يعرفه من يطلبه ; ويمكن لكل من أراد أن يجده وأن يستمسك به , حتى في أحلك الظروف . وما كان لإبليس من سلطان قاهر عليهم لا يملكون رفعه . فليس هنالك قهر لهم منه ولا سيطرة عليهم له . إنما هو تسليطه عليهم ليثبت على الحق من يثبت , وليزيغ منهم من لا يبتغي الحق ويتحراه . وليظهر في عالم الواقع (من يؤمن بالآخرة)فيعصمه إيمانه من الانحراف ,(ممن هو منها في شك). . فهو يتأرجح أو يستجيب للغواية . بلا عاصم من رقابة لله ولا تطلع لليوم الآخر .
والله يعلم ما يقع قبل ظهوره للناس . ولكنه سبحانه يرتب الجزاء على ظهوره ووقوعه فعلاً في دنيا الناس .
وفي هذا المجال الواسع المفتوح . مجال تقدير الله وتدبيره للأمور والأحداث . ومجال غواية إبليس للناس , بلا سلطان قاهر عليهم , إلا تسليطه ليظهر المكنون في علم الله من المصائر والنتائج . . في هذا المجال الواسع تتصل قصة سبأ بقصة كل قوم , في كل مكان وفي كل زمان . ويتسع مجال النص القرآني ومجال هذا التعقيب , فلا يعود قاصراً على قصة سبأ , إنما يصلح تقريراً لحال البشر أجمعين . فهي قصة الغواية والهداية وملابساتهما وأسبابهما وغاياتهما ونتائجهما في كل حال .
(وربك على كل شيء حفيظ). .