ومن ثم يقولون قولتهم هذه: (لا تأتينا الساعة). . فيرد عليهم مؤكداً جازماً: (قل:بلى وربي لتأتينكم). . وصدق الله تعالى وصدق رسول الله - عليه صلوات الله - وهم لا يعلمون الغيب ومع ذلك يتأولون على الله , ويجزمون بما لا علم لهم به . والله الذي يؤكد مجيء الساعة هو: عالم الغيب . . فقوله الحق عن علم بما هنالك وعن يقين .
ثم يعرض هذا العلم في صورة كونية كالتي سبقت في مطلع السورة , تشهد هي الأخرى بأن هذا القرآن لا يكون من صنع بشر , لأن خيال البشر لا تخطر له عادة مثل هذه الصور:
(لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ; ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين). .
ومرة أخرى نقول:إن طبيعة هذا التصور ليست بشرية . وإنه ليست لها سابقة في كلام البشر شعره ونثره على السواء . فعندما يتحدث البشر عن شمول العلم ودقته وإحاطته لا يخطر على بالهم أن يصوروه في هذه الصورة الكونية العجيبة: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . . .). . ولست أعرف في كلام البشر إتجاهاً إلى مثل هذا التصور للعلم الدقيق الشامل . فهو الله , سبحانه , الذي يصف نفسه , ويصف علمه , بما يعلم من الأوصاف التي لا تخطر للبشر ! وبذلك يرفع تصور المسلمين لإلههم الذي يعبدونه فيعرفونه بصفته في حدود طاقتهم البشرية المحدودة على كل حال .
وأقرب تفسير لقوله تعالى: (إلا في كتاب مبين)أنه علم الله الذي يقيد كل شيء , ولا يند عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض , ولا أصغر من ذلك ولا أكبر .
ونقف أمام لفتة في قوله تعالى: مثقال ذرة . . . ولا أصغر من ذلك . والذرة كان معروفاً - إلى عهد قريب - أنها أصغر الأجسام . فالآن يعرف البشر - بعد تحطيم الذرة - أن هناك ما هو أصغر من الذرة , وهو جزيئاتها التي لم تكن في حسبان أحد يومذاك ! وتبارك الله الذي يعلم عباده ما يشاء من أسرار صفته ومن أسرار خلقه عندما يشاء .
مجيء الساعة حتماً وجزماً , وعلمه الذي لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة:
(ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات . أولئك لهم مغفرة ورزق كريم . والذين سعوا في آياتنا معاجزين , أولئك لهم عذاب من رجز أليم). .
فهناك حكمة وقصد وتدبير . وهناك تقدير في الخلق لتحقيق الجزاء الحق للذين آمنوا وعملوا الصالحات , وللذين سعوا في آيات الله معاجزين . .
فأما الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح فلهم(مغفرة)لما يقع منهم من خطايا ولهم (رزق كريم)والرزق يجيء ذكره كثيراً في هذه السورة , فناسب أن يعبر عن نعيم الآخرة بهذا الوصف , وهو رزق من رزق الله على كل حال .
وأما الذين سعوا باذلين جهدهم للصد عن آيات الله , فلهم عذاب من أليم العذاب وسيئه . والرجز هو العذاب السيّىء . جزاء اجتهادهم ومعاجزتهم وكدهم في سبيل السوء !
وبهذا وذلك تتحقق حكمة الله وتدبيره , وحكمة الساعة التي يجزمون بأنها لا تأتيهم ; وهي لا بد أن تجيء . .
الدرس الثالث:6 شهادة أولي العلم بالحق الذي مع الرسول عليه السلام
وبمناسبة جزمهم بأن الساعة لا تأتيهم - وهي غيب من غيب الله - وتأكيد الله لمجيئها - وهو عالم الغيب -