يذكر داود هنا بأنه ذو القوة . وبأنه أواب . . وقد جاء من قبل ذكر قوم نوح وعاد وفرعون ذي الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة . . وهم طغاة بغاة . كان مظهر قوتهم هو الطغيان والبغي والتكذيب . فأما داود فقد كان ذا قوة , ولكنه كان أواباً , يرجع إلى ربه طائعاً تائباً عابداً ذاكراً . وهو القوي ذو الأيد والسلطان .
وقد مضى في سورة البقرة بدء قصة داود , وظهوره في جيش طالوت , في بني إسرائيل - من بعد موسى - إذ قالوا لنبي لهم:ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله . فاختار لهم طالوت ملكاً . ولقي بهم عدوهم الجبار جالوت وجنوده . وقتل داود جالوت . وكان إذ ذاك فتى . ومنذ ذلك الحين ارتفع نجمه حتى ولي الملك أخيراً ; وأصبح ذا سلطان . ولكنه كان أواباً رجاعاً إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار .
ومع النبوة والملك آتاه الله من فضله قلباً ذاكراً وصوتاً رخيماً , يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه . وبلغ من قوة استغراقه في الذكر , ومن حسن حظه في الترتيل , أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون . وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها , وتمجيدها له وعبادتها . فإذا الجبال تسبح معه , وإذا الطير مجموعة عليه , تسبح معه لمولاها ومولاه:
(إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب). .
ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ . . الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشي والإشراق , حينما يخلو إلى ربه , يرتل ترانيمه في تمجيده وذكره . والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده . . لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ إذ يخالف مألوفهم , ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان , وجنس الطير , وجنس الجبال !
ولكن فيم الدهش ? وفيم العجب ? إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة . وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات . . حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارىء الوجود كله:أحيائه وأشيائه جميعاً . وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء , فإن تلك الحواجز تنزاح ; وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم . فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة !
وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية ; وسخر الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحاً لله . وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان , مع النبوة والاستخلاص .
(وشددنا ملكه . وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). .
فكان ملكه قوياً عزيزاً . وكان يسوسه بالحكمة والحزم جميعاً . وفصل الخطاب قطعه والجزم فيه برأي لا تردد فيه . وذلك مع الحكمة ومع القوة غاية الكمال في الحكم والسلطان في عالم الإنسان .
ومع هذا كله فقد تعرض داود للفتنة والابتلاء ; وكانت عين الله عليه لترعاه وتقود خطاه , وكانت يد الله معه تكشف له ضعفه وخطأه , وتوقيه خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه:
(وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ? إذ دخلوا على داود ففزع منهم . قالوا:لا تخف . خصمان بغى بعضنا على بعض . فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط . واهدنا إلى سواء الصراط . إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة , فقال:أكفلنيها , وعزني في الخطاب . قال:لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه , وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وقليل ما هم - وظن داود أنما فتناه . فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب). .