وبيان هذه الفتنة أن داود النبي الملك , كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون الملك , وللقضاء بين الناس . ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحاً لله في المحراب . وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس . وفي ذات يوم فوجى ء بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه . ففزع منهم . فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين ! فبادرا يطمئنانه . (قالوا:لا تخف . خصمان بغى بعضنا على بعض). وجئنا للتقاضي أمامك (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط). . وبدأ أحدهما فعرض خصومته: (إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة . فقال:أكفلنيها)[ أي اجعلها لي وفي ملكي وكفالتي ] (وعزني في الخطاب)[ أي شدد علي في القول وأغلظ ] .
والقضية - كما عرضها أحد الخصمين - تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل . ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ; ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً , ولم يطلب إليه بياناً , ولم يسمع له حجة . ولكنه مضى يحكم: قال:لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . وإن كثيراً من الخلطاء - [ أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض ] - ليبغي بعضهم على بعض . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم . .
ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان:فقد كانا ملكين جاءا للامتحان ! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس , ليقضي بينهم بالحق والعدل , وليتبين الحق قبل إصدار الحكم . وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة . . ولكن القاضي عليه ألا يستثار , وعليه ألا يتعجل . وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد . قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته ; فقد يتغير وجه المسألة كله , أو بعضه , وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعاً أو كاذباً أو ناقصاً !
عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء:
(وظن داود أنما فتناه). .
وهنا أدركته طبيعته . . إنه أواب . . (فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب). .
(فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). . وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً . تتنزه عنه طبيعة النبوة . ولا يتفق إطلاقاً مع حقيقتها . حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطاً . وهي لا تصلح للنظر من الأساس . ولا تتفق مع قول الله تعالى: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). .
والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ; ويحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس:
(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض , فاحكم بين الناس بالحق . ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله . إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد . بما نسوا يوم الحساب). .
فهي الخلافة في الأرض , والحكم بين الناس بالحق , وعدم اتباع الهوى . واتباع الهوى - فيما يختص بنبي - هو السير مع الانفعال الأول , وعدم التريث والتثبت والتبين . . مما ينتهي مع الاستطراد فيه إلى الضلال . أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل الله . وهو نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب .