ومن رعاية الله لعبده داود , أنه نبهه عند أول لفتة . ورده عند أول اندفاعه . وحذره النهاية البعيدة . وهو لم يخط إليها خطوة ! وذلك فضل الله على المختارين من عباده . فهم ببشريتهم قد تعثر أقدامهم أقل عثرة , فيقيلها الله , ويأخذ بيدهم , ويعلمهم , ويوفقهم إلى الإنابة , ويغفر لهم , ويغدق عليهم , بعد الابتلاء . .
الدرس الثاني:27 - 29 خلق الله الكون لحكمة وعدم تساوي الكفار مع المؤمنين
وعند تقرير مبدأ الحق في خلافة الأرض , وفي الحكم بين الناس . . وقبل أن تمضي قصة داود إلى نهايتها في السياق . . يرد هذا الحق إلى أصله الكبير . أصله الذي تقوم عليه السماء والأرض وما بينهما . أصله العريق في كيان هذا الكون كله . وهو أشمل من خلافة الأرض , ومن الحكم بين الناس . وهو أكبر من هذه الأرض . كما أنه أبعد مدى من الحياة الدنيا . إذ يتناول صميم الكون كما يتناول الحياة الآخرة . ومنه وعليه جاءت الرسالة الأخيرة , وجاء الكتاب المفسر لذلك الحق الشامل الكبير:
وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً . ذلك ظن الذين كفروا . فويل للذين كفروا من النار . أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ? أن نجعل المتقين كالفجار ? كتاب أنزلناه إليك مبارك , ليدبروا آياته , وليتذكر أولو الألباب . .
وهكذا:في هذه الآيات الثلاث , تتقرر تلك الحقيقة الضخمة الهائلة الشاملة الدقيقة العميقة . بكل جوانبها وفروعها وحلقاتها . .
إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلاً , ولم يقم على الباطل . إنما كان حقاً وقام على الحق . ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق . الحق في خلافة الأرض . والحق في الحكم بين الخلق . والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم ; فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ; ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار . والحق الذي جاء به الكتاب المبارك الذي أنزله الله ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة , التي لا يتصورها الكافرون , لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون , ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئاً . . (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار). .
إن شريعة الله للناس طرف من ناموسه في خلق الكون . وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس . وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنما هو طرف من الحق الكلي , لا يستقيم أمر الناس إلا حين يتناسق مع بقية الأطراف . وإن الانحراف عن شريعة الله والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنما هو انحراف عن الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض ; وهو أمر عظيم إذن وشر كبير , واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لا بد أن يتحطم في النهاية ويزهق . فما يمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة الله وناموس الكون وطبيعة الوجود . . ما يمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة , ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة !
وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب . .
الدرس الثالث:30 - 40 قصة سليمان وفتنته وابتلاءه
وبعد هذا التعقيب المعترض في صلب القصة لكشف تلك الحقيقة الضخمة , يمضي السياق يعرض نعمة الله على داود في عقبه وولده سليمان ; وما وهبه الله من ألوان الإنعام والإفضال . كما يعرض فتنته وابتلاءه ورعاية الله له , وإغداقه عليه بعد الفتنة والابتلاء: