فما معنى هذا ? معناه أنهم إذا لم ينتهوا فستتجه إرادتنا إلى تسليطك عليهم وإخراجهم من المدينة . وسيتم هذا بتوجيه إرادتك أنت ورغبتك إلى قتالهم وإخراجهم ; فتتم إرادتنا بهم عن طريقك . فهذا لون من توافق أمر الله - سبحانه - وأمر النبي [ ص ] وإرادة الله وأمره هما الأصيلان . وهما يتجليان في إرادة الرسول وأمره وفق ما أراد الله . وهذا يقرب إلينا معنى تسخير الريح لأمر سليمان - عليه السلام - تسخيرها لأمره المطابق لأمر الله في توجيه هذه الرياح , الممثل لأمر الله المعبر عنه على كل حال . كذلك سخر له الشياطين لتبني له ما يشاء ; وتغوص له في البحر والأرض في طلب ما يشاء . وأعطاه السلطة لعقاب المخالفين والمفسدين ممن سخرهم له وتكبيلهم بالأصفاد مقرونة أيديهم إلى أرجلهم . أو مقرنين اثنين اثنين أو أكثر في القيود عند الاقتضاء .
ثم قيل له:إنك مطلق اليد فيما وهب الله لك من سلطة ومن نعمة . تعطي من تشاء كيف تشاء . وتمسك عمن تشاء قدر ما تشاء:
(هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب). .
وذلك زيادة في الإكرام والمنة . ثم زاد على هذا كله أن له عند ربه قربى في الدنيا وحسن مآب في الآخرة:
(وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). .
وتلك درجة عظيمة من الرعاية والرضى والإنعام والتكريم .
الدرس الثالث:41 - 44 لقطة من ابتلاء أيوب
ثم نمضي مع قصة الابتلاء والصبر , والإنعام بعد ذلك والإفضال . نمضي في السياق مع قصة أيوب:
(واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب . اركض برجلك . هذا مغتسل بارد وشراب . ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب . وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث , إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب). .
وقصة ابتلاء أيوب وصبره ذائعة مشهورة ; وهي تضرب مثلاً للابتلاء والصبر . ولكنها مشوبة بإسرائيليات تطغى عليها . والحد المأمون في هذه القصة هو أن أيوب - عليه السلام - كان كما جاء في القرآن عبداً صالحاً أوّاباً ; وقد ابتلاه الله فصبر صبراً جميلاً , ويبدو أن ابتلاءه كان بذهاب المال والأهل والصحة جميعاً ولكنه ظل على صلته بربه , وثقته به , ورضاه بما قسم له .
وكان الشيطان يوسوس لخلصائه القلائل الذين بقوا على وفائهم له - ومنهم زوجته - بأن الله لو كان يحب أيوب ما ابتلاه . وكانوا يحدثونه بهذا فيؤذيه في نفسه أشد مما يؤذيه الضر والبلاء . فلما حدثته امرأته ببعض هذه الوسوسة حلف لئن شفاه الله ليضربنها عدداً عينه - قيل مائة .
وعندئذ توجه إلى ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان , ومداخله إلى نفوس خلصائه , ووقع هذا الإيذاء في نفسه:
(أني مسني الشيطان بنصب وعذاب). .
فلما عرف ربه منه صدقه وصبره , ونفوره من محاولات الشيطان , وتأذيه بها , أدركه برحمته . وأنهى ابتلاءه , ورد عليه عافيته . إذ أمره أن يضرب الأرض بقدمه فتتفجر عين باردة يغتسل منها ويشرب فيشفى ويبرأ:
(اركض برجلك . هذا مغتسل بارد وشراب). .