(ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة . . !). . (هذا ساحر كذاب). . (إن هذا إلا اختلاق). . الخ . الخ . . وقصة العجب من أن يكون الرسول بشراً قصة قديمة , مكرورة معادة , قالها كل قوم وتعللوا بها منذ بدء الرسالات . وتكرر إرسال الرسل من البشر ; وظل البشر مع هذا يكررون الاعتراض:
(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم). .
وأوجب شيء وأقرب شيء إلى الحكمة والمنطق أن يكون المنذر منهم . بشراً يدرك كيف يفكر البشر وكيف يشعرون ; ويحس ما يعتلج في نفوسهم , وما يشتجر في كيانهم , وما يعانون من نقص وضعف , وما يجدون من ميول ونزعات , وما يستطيعون أو لا يستطيعون من جهد وعمل , وما يعترضهم من عوائق وعقبات , وما يعتريهم من مؤثرات واستجابات . .
بشراً يعيش بين البشر - وهو منهم - فتكون حياته قدوة لهم ; وتكون لهم فيه أسوة . وهم يحسون أنه واحد منهم , وأن بينهم وبينه شبهاً وصلة . فهم مطالبون إذن بالمنهج الذي يأخذ به نفسه , ويدعوهم لاتباعه . وهم قادرون على الأخذ بهذا المنهج فقد حققه أمامهم بشر منهم في واقع حياته . . .
بشراً منهم . من جيلهم . ومن لسانهم . يعرف مصطلحاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفصيلات حياتهم . ويعرفون لغته , ويفهمون عنه , ويتفاهمون معه , ويتجاوبون وإياه . ومن ثم لا تقوم بينه وبينهم جفوة من اختلاف جنسه . أو اختلاف لغته . أو اختلاف طبيعة حياته أو تفصيلات حياته .
ولكن أوجب شيء وأقربه إلى أن يكون , هو الذي كان دائماً موضع العجب , ومحط الاستنكار , وموضوع التكذيب ! ذلك أنهم كانوا لا يدركون حكمة هذا الاختيار ; كما كانوا يخطئون تصور طبيعة الرسالة . وبدلاً من أن يروها قيادة واقعية للبشرية في الطريق إلى الله . كانوا يتصورونها خيالية غامضة محوطة بالأسرار التى لايصح أن تكون مفهومة هكذا وقريبة ! كانوا يريدونها مثلاً خيالية طائرة لا تلمس بالأيدي , ولا تبصر في النور , ولا تدرك في وضوح , ولا تعيش واقعية في دنيا الناس ! وعندئد يستجيبون لها كأسطورة غامضة كما كانوا يستجيبون للأساطير التي تؤلف عقائدهم المتهافتة !
ولكن الله أراد للبشرية - وبخاصة في الرسالة الأخيرة - أن تعيش بهذه الرسالة عيشة طبيعية واقعية . عيشة طيبة ونظيفة وعالية , ولكنها حقيقة في هذه الأرض . لا وهماً ولا خيالاً ولا مثلاً طائراً في سماء الأساطير والأحلام ! يعز على التحقيق ويهرب في ضباب الخيالات والأوهام !
(وقال الكافرون:هذا ساحر كذاب). .
قالوا كذلك استبعاداً لأن يكون الله قد أوحى إلى رجل منهم . وقالوه كذلك تنفيراً للعامة من محمد [ ص ] وتهويشاً على الحق الواضح في حديثه , والصدق المعروف عن شخصه .
والحق الذي لا مرية فيه أن كبراء قريش لم يصدقوا أنفسهم لحظة وهم يقولون عن محمد بن عبدالله [ ص ] الذي يعرفونه حق المعرفة:إنه ساحر وإنه كذاب ! إنما كان هذا سلاحاً من أسلحة التهويش والتضليل وحرب الخداع التي يتقنها الكبراء ; ويتخذونها لحماية أنفسهم ومراكزهم من خطر الحق الذي يتمثل في هذه العقيدة ; ويزلزل القيم الزائفة والأوضاع الباطلة التي يستند إليها أولئك الكبراء !
ولقد نقلنا من قبل وننقل هنا واقعة الاتفاق بين كبراء قريش على استخدام حرب الدعاية ضد محمد [ ص ] والحق الذي جاء به , لحماية أنفسهم وأوضاعهم بين الجماهير في مكة . ولصد القبائل التي كانت تفد إلى مكة في موسم الحج , عن الدين الجديد وصاحبه [ ص ] .