|
في ظلال القرآن
الكريم
ص من الاية 5 الى الاية 6 أَجَعَلَ الْآلöهَةَ إöلَهاً وَاحöداً إöنَّ هَذَا لَشَيْءñ عُجَابñ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مöنْهُمْ أَنö امْشُوا وَاصْبöرُوا عَلَى آلöهَتöكُمْ إöنَّ هَذَا لَشَيْءñ يُرَادُ (6)
قال ابن إسحاق:إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم . فقال لهم:يا معشر قريش , إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فأجمعوا فيه رأياً واحداً , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً , ويرد قولكم بعضه بعضاً . قالوا:فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقل به . قال:بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا:نقول:كاهن . قال:لا والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكهان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه . قالوا:فنقول:مجنون . قال:ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا:فنقول:شاعر . قال:ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر . قالوا:فنقول:ساحر . قال:ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا:فما نقول يا أبا عبد شمس ? قال:والله إن لقوله لحلاوة , وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة . وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل , وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:هو ساحر , جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجته , وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك , فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا له أمره . . فذلك كان شأن الملأ من قريش في قولهم:ساحر كذاب . وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون . ويعرفون أنه لم يكن [ ص ] بساحر ولا كذاب ! وعجبوا كذلك من دعوته إياهم إلى عبادة الله الواحد . وهي أصدق كلمة وأحقها بالاستماع: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً ? إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم:أن امشوا واصبروا على آلهتكم , إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق). . ويصور التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطرية القريبة . . (أجعل الآلهة إلهاً واحداً ?)كأنه الأمر الذي لا يتصوره متصور ! (إن هذا لشيء عجاب). . حتى البناء اللفظي(عجاب)يوحي بشدة العجب وضخامته وتضخيمه ! كما يصور طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير , وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة . وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئاً غير ظاهرها ; وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور , مدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيء !(وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد). . فليس هو الدين , وليست هي العقيدة , إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة . شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه , ولمن يحسنون فهم المخبآت وإدراك المناورات ! وتنصرف هي إلى عادتها الموروثة , وآلهتها المعروفة , ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة ! فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها . فلتطمئن الجماهير , فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم ! إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامة , والبحث وراء الحقيقة , وتدبر ما يواجههم من حقائق خطرة . ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة , وخطر على الكبراء , وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير . وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل ! السابق - التالي
|