هذه هي القصة التي أخرجتها يد القدرة:(متاعا لكم ولأنعامكم). . إلى حين . ينتهي فيه هذا المتاع ; الذي قدره الله حين قدر الحياة . ثم يكون بعد ذلك أمر آخر يعقب المتاع . أمر يجدر بالإنسان أن يتدبره قبل أن يجيء: الدرس الرابع:33 - 42 في الصاخة وجوه مسفرة مستبشرة ووجوه معذبة
فإذا جاءت الصاخة , يوم يفر المرء من أخيه , وأمه وأبيه , وصاحبته وبنيه . لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . . وجوه يومئذ مسفرة , ضاحكة مستبشرة , ووجوه يومئذ عليها غبرة , ترهقها قترة , أولئك هم الكفرة الفجرة . .
فهذه هي خاتمة المتاع . وهذه هي التي تتفق مع التقدير الطويل , والتدبير الشامل , لكل خطوة وكل مرحلة في نشأة الإنسان . وفي هذا المشهد ختام يتناسق مع المطلع . مع الذي جاء يسعى وهو يخشى . والذي استغنى وأعرض عن الهدى . ثم هذان هما في ميزان الله .
"والصاخة لفظ ذو جرس عنيف نافذ , يكاد يخرق صماخ الأذن , وهو يشق الهواء شقا , حتى يصل إلى الأذن صاخا ملحا !
"وهو يمهد بهذا الجرس العنيف للمشهد الذي يليه:مشهد المرء يفر وينسلخ من ألصق الناس به:(يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه , وصاحبته وبنيه). . أولئك الذين تربطهم به وشائج وروابط لا تنفصم ; ولكن هذه الصاخة تمزق هذه الروابط تمزيقا , وتقطع تلك الوشائج تقطيعا .
"والهول في هذا المشهد هول نفسي بحت , يفزع النفس ويفصلها عن محيطها . ويستبد بها استبدادا . فلكل نفسه وشأنه , ولديه الكفاية من الهم الخاص به , الذي لا يدع له فضلة من وعي أو جهد:(لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه). .
"والظلال الكامنة وراء هذه العبارة وفي طياتها ظلال عميقة سحيقة . فما يوجد أخصر ولا أشمل من هذا التعبير , لتصوير الهم الذي يشغل الحس والضمير:(لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)!
ذلك حال الخلق جميعا في هول ذلك اليوم . . إذا جاءت الصاخة . . ثم يأخذ في تصوير حال المؤمنين وحال الكافرين , بعد تقويمهم ووزنهم بميزان الله هناك:
(وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة). .
فهذه وجوه مستنيرة منيرة متهللة ضاحكة مستبشرة , راجية في ربها , مطمئنة بما تستشعره من رضاه عنها . فهي تنجو من هول الصاخة المذهل لتتهلل وتستنير وتضحك وتستبشر . أو هي قد عرفت مصيرها , وتبين لها مكانها , فتهللت واستبشرت بعد الهول المذهل . .
(ووجوه يومئذ عليها غبرة . ترهقها قترة . أولئك هم الكفرة الفجرة). .
فأما هذه فتعلوها غبرة الحزن والحسرة , ويغشاها سواد الذل والانقباض . وقد عرفت ما قدمت فاستيقنت ما ينتظرها من جزاء . .(أولئك هم الكفرة الفجرة). . الذين لا يؤمنون بالله وبرسالاته , والذين خرجوا عن حدوده وانتهكوا حرماته . .