(فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات . لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا). .
إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم . وإنه الخزي في الحياة الدنيا . الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد . .
ذلك في الدنيا . . وليسوا بمتروكين في الآخرة:
(ولعذاب الآخرة أخزى . وهم لا ينصرون). .
(وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى). .
ويظهر أن هذه إشارة إلى اهتدائهم بعد آية الناقة , ثم ردتهم وكفرهم بعد ذلك . وإيثارهم العمى على الهدى . والضلال بعد الهدى عمى أشد العمى !
(فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون). .
والهوان أنسب عاقبة . فليس هو العذاب فحسب , وليس هو الهلاك فحسب . ولكنه كذلك الهوان جزاء على العمى بعد الإيمان .
ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون . .
وتنتهي الجولة على مصرع عاد وثمود . والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب . ويتكشف لهم سلطان الله الذي لا ترده قوة ولا يعصم منه حصن , ولا يبقي على مستكبر مريد .
الدرس الرابع:20 - 24 مشهد لخزي وعذاب الكفار في الآخرة
والآن وقد كشف لهم عن سلطان الله في فطرة الكون ; وسلطان الله في تاريخ البشر , يطلعهم على سلطان الله في ذوات أنفسهم , التي لا يملكون منها شيئاً , ولا يعصمون منها شيئاً من سلطان الله . حتى سمعهم وأبصارهم وجلودهم تطيع الله وتعصيهم في الموقف المشهود , وتكون عليهم بعض الشهود:
ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون . حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون . وقالوا لجلودهم:لم شهدتم علينا ? قالوا:أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة , وإليه ترجعون . وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم , ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون . وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم , فأصبحتم من الخاسرين . فإن يصبروا فالنار مثوى لهم . وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين . .
إنها المفاجأة الهائلة في الموقف العصيب . وسلطان الله الذي تطيعه جوارحهم وتستجيب . وهم يوصمون بأنهم أعداء الله . فما مصير أعداء الله ? إنهم يحشرون ويجمع أولهم على آخرهم وآخرهم على أولهم كالقطيع ! إلى أين ? إلى النار ! حتى إذا كانوا حيالها وقام الحساب , إذا شهود عليهم لم يكونوا لهم في حساب . إن ألسنتهم معقودة لا تنطق , وقد كانت تكذب وتفتري وتستهزىء . وإن أسماعهم وأبصارهم وجلودهم تخرج عليهم , لتستجيب لربها طائعة مستسلمة , تروي عنهم ما حسبوه سراً . فقد يستترون من الله . ويظنون أنه لا يراهم وهم يتخفون بنواياهم , ويتخفون بجرائمهم . ولم يكونوا ليستخفوا من أبصارهم وأسماعهم وجلودهم . وكيف وهي معهم ? بل كيف وهي أبعاضهم ?! وها هي ذي تفضح ما حسبوه مستوراً عن الخلق أجمعين . وعن الله رب العالمين !
يا للمفاجأة بسلطان الله الخفي , يغلبهم على أبعاضهم فتلبي وتستجيب !