(وقالوا لجلودهم:لم شهدتم علينا ?). .
فإذا هي تجبههم بالحقيقة التي خفيت عليهم في غير مواربة ولا مجاملة:
(قالوا:أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء)?
أليس هو الذي جعل الألسنة هي الناطقة ? وإنه لقادر على أن يجعل سواها . وقد أنطق كل شيء فهو اليوم يتحدث وينطق ويبين .
(وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون). .
فإليه المنشأ وإليه المصير , ولا مفر من قبضته في الأول وفي الأخير .
وهذا ما أنكروه بالعقول . وهذا ما تقرره لهم الجلود !
وقد تكون بقية التعليق من حكاية أقوال أبعاضهم لهم . وقد تكون تعقيباً على الموقف العجيب:
(وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم). .
فما كان يخطر ببالكم أنها ستخرج عليكم , وما كنتم بمستطيعين أن تستتروا منها لو أردتم !
(ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون). .
وخدعكم هذا الظن الجاهل الأثيم وقادكم إلى الجحيم:
(وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين). .
ثم يجيء التعقيب الأخير:
(فإن يصبروا فالنار مثوى لهم). .
يا للسخرية ! فالصبر الآن صبر على النار ; وليس الصبر الذي يعقبه الفرج وحسن الجزاء . إنه الصبر الذي جزاؤه النار قراراً ومثوى يسوء فيه الثواء !
(وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين). .
فما عاد هناك عتاب , وما عاد هناك متاب . وقد جرت العادة أن الذي يطلب العتاب يطلب من ورائه الصفح والرضى بعد إزالة أسباب الجفاء . فاليوم يغلق الباب في وجه العتاب . لا الصفح والرضى الذي يعقب العتاب !
الدرس الخامس:25 - 29 قرناء السوء وحربهم للقرآن وعذابهم يوم القيامة
ثم يكشف لهم كذلك عن سلطان الله في قلوبهم , وهم بعد في الأرض , يستكبرون عن الإيمان بالله . فالله قد قيض لهم - بما اطلع على فساد قلوبهم - قرناء سوء من الجن ومن الأنس , يزينون لهم السوء , وينتهون بهم إلى مواكب الذين كتب عليهم الخسران , وحقت عليهم كلمة العذاب:
(وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم , وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس , إنهم كانوا خاسرين). .
فلينظروا كيف هم في قبضة الله الذي يستكبرون عن عبادته . وكيف أن قلوبهم التي بين جنوبهم تقودهم إلى العذاب والخسارة وقد قيض الله وأحضر قرناء يوسوسون لهم , ويزينون لهم كل ما حولهم من السوء , ويحسنون لهم أعمالهم فلا يشعرون بما فيها من قبح . وأشد ما يصيب الإنسان أن يفقد إحساسه بقبح فعله وانحرافه , وأن يرى كل شيء من شخصه حسنا ومن فعله ! فهذه هي المهلكة وهذا هو المنحدر الذي ينتهي دائماً بالبوار .