بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم . وما في هذا من عجب . بل هو الأمر الطبيعي الذي تتقبله الفطرة السليمة ببساطة وترحيب . الأمر الطبيعي أن يختار الله من الناس واحدا منهم , يحس بإحساسهم , ويشعر بشعورهم , ويتكلم بلغتهم , ويشاركهم حياتهم ونشاطهم , ويدرك دوافعهم وجواذبهم , ويعرف طاقاتهم واحتمالهم , فيرسله إليهم لينذرهم ما ينتظرهم إن هم ظلوا فيما هم فيه ; ويعلمهم كيف يتجهون الاتجاه الصحيح ; ويبلغهم التكاليف التي يفرضها الاتجاه الجديد , وهو معهم أول من يحمل هذه التكاليف . ولقد عجبوا من الرسالة ذاتها , وعجبوا - بصفة خاصة - من أمر البعث الذي حدثهم عنه هذا المنذر أول ما حدثهم . فقضية البعث قاعدة أساسية في العقيدة الإسلامية . قاعدة تقوم عليها العقيدة ويقوم عليها التصور الكلي لمقتضيات هذه العقيدة . فالمسلم مطلوب منه أن يقوم على الحق ليدفع الباطل وأن ينهض بالخير ليقضي على الشر , وأن يجعل نشاطه كله في الأرض عبادة لله , بالتوجه في هذا النشاط كله لله . ولا بد من جزاء على العمل . وهذا الجزاء قد لا يتم في رحلة الأرض . فيؤجل للحساب الختامي بعد نهاية الرحلة كلها . فلا بد إذن من عالم آخر , ولا بد إذن من بعث للحساب في العالم الآخر . . وحين ينهار أساس الآخرة في النفس ينهار معه كل تصور لحقيقة هذه العقيدة وتكاليفها ; ولا تستقيم هذه النفس على طريق الإسلام أبدا .
ولكن أولئك القوم لم ينظروا للمسألة من هذا الجانب أصلا . إنما نظروا إليها من جانب آخر ساذج شديد السذاجة , بعيد كل البعد عن إدراك حقيقة الحياة والموت , وعن إدراك أي طرف من حقيقة قدرة الله . فقالوا:(أئذا متنا وكنا ترابا ? ذلك رجع بعيد)!
والمسألة إذن في نظرهم هي مسألة استبعاد الحياة بعد الموت والبلى . وهي نظرة ساذجة كما أسلفنا , لأن معجزة الحياة التي حدثت مرة يمكن أن تحدث مرة أخرى . كما أن هذه المعجزة تقع أمامهم في كل لحظة , وتحيط بهم في جنبات الكون كله . وهذا هو الجانب الذي قادهم إليه القرآن في هذه السورة .
غير أننا قبل أن نمضي مع لمسات القرآن وآياته الكونية في معرض الحياة , نقف أمام لمسة البلى والدثور التي تتمثل في حكاية قولهم والتعليق عليه:
أإذا متنا وكنا ترابا . . . ? . . وإذن فالناس يموتون . وإذن فهم يصيرون ترابا . وكل من يقرأ حكاية قول المشركين يلتفت مباشرة إلى ذات نفسه , وإلى غيره من الأحياء حوله . يلتفت ليتصور الموت والبلى والدثور . بل ليحس دبيب البلى في جسده وهو بعد حي فوق التراب ! وما كالموت يهز قلب الحي , وليس كالبلى يمسه بالرجفة والارتعاش .
والتعقيب يعمق هذه اللمسة ويقوي وقعها ; وهو يصور الأرض تأكل منهم شيئا فشيئا:
(قد علمنا ما تنقص الأرض منهم , وعندنا كتاب حفيظ). .
لكأنما التعبير يجسم حركة الأرض ويحييها وهي تذيب أجسادهم المغيبة فيها , وتأكلها رويدا رويدا . ويصور أجسادهم وهي تتآكل باطراد وتبلى . ليقول:إن الله يعلم ما تأكله الأرض من أجسادهم , وهو مسجل في كتاب حفيظ ; فهم لا يذهبون ضياعا إذا ماتوا وكانوا ترابا . أما إعادة الحياة إلى هذا التراب , فقد حدثت من قبل , وهي تحدث من حولهم في عمليات الإحياء المتجددة التي لا تنتهي .
وهكذا تتوالى اللمسات التي تذيب القلوب وترققها , وتدعها حساسة متوفزة جيدة الاستقبال . وذلك قبل البدء في الهجوم على القضية ذاتها !
ثم يكشف عن حقيقة حالهم التي تنبعث منها تلك الاعتراضات الواهية . ذلك أنهم تركوا الحق الثابت ,