والحبل الذي لا ينقطع , حاجة ماسة دائمة . والعروة الوثقى هي عروة الإسلام لله والاستسلام والإحسان . (وإلى الله عاقبة الأمور). . وإليه المرجع والمصير . فخير أن يسلم الإنسان وجهه إليه منذ البداية ; وأن يسلك إليه الطريق على ثقة وهدى ونور . . (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم , فننبئهم بما عملوا , إن الله عليم بذات الصدور . نمتعهم قليلا , ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ). .
تلك نهاية من يسلم وجهه إلى الله وهو محسن . وهذه نهاية من يكفر ويخدعه متاع الحياة . نهايته في الدنيا تهوين شأنه على رسول الله [ ص ] وعلى المؤمنين . (ومن كفر فلا يحزنك كفره). . فشأنه أهون من أن يحزنك , وأصغر من أن يهمك . . ونهايته في الأخرى التهوين من شأنه كذلك . وهو في قبضة الله لا يفلت وهو مأخوذ بعمله , والله أعلم بما عمل وبما يخفيه في صدره من نوايا: (إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا . إن الله عليم بذات الصدور). . ومتاع الحياة الذي يخدعه قليل , قصير الأجل , زهيد القيمة . . (نمتعهم قليلا). . والعاقبة بعد ذلك مروعة فظيعة وهو مدفوع إليها دفعا لا يملك لها ردا: (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ). . ووصف العذاب بالغلظ يجسمه - على طريقة القرآن - والتعبير بالاضطرار يلقي ظل الهول الذي يحاول الكافر ألا يواجهه , مع العجز عن دفعه , أو التلكؤ دونه ! فأين هذا ممن يسلم وجهه إلى الله ويستمسك بالعروة الوثقى , ويصير إلى ربه في النهاية هادىء النفس مطمئن الضمير ?
الدرس الثاني:25 - 26 اعتراف الفطرة بالوحدانية
ثم يقفهم أمام منطق فطرتهم , حين تواجه الكون , فلا تجد مناصا من الاعتراف بالحقيقة الكامنة فيها وفي فطرة الكون على السواء ; ولكنهم يزيغون عنها وينحرفون , ويغفلون منطقها القويم:
(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ? ليقولن:الله . قل:الحمد لله . بل أكثرهم لا يعلمون . لله ما في السماوات والأرض . إن الله هو الغني الحميد). .
وما يملك الإنسان حين يستفتي فطرته ويعود إلى ضميره أن ينكر هذه الحقيقة الواضحة الناطقة . فهذه السماوات والأرض قائمة . مقدرة أوضاعها وأحجامها وحركاتها وأبعادها , وخواصها وصفاتها . مقدرة تقديرا يبدو فيه القصد , كما يبدو فيه التناسق . وهي قبل ذلك خلائق لا يدعي أحد أنه خلقها ; ولا يدعي أحد أن خالقا آخر غير الله شارك فيها ; ولا يمكن أن توجد هكذا بذاتها . ثم لا يمكن أن تنتظم وتتسق وتقوم وتتناسق بدون تدبير , وبدون مدبر . والقول بأنها وجدت وقامت تلقائيا أو فلتة أو مصادفة لا يستحق احترام المناقشة . فضلا على أن الفطرة من أعماقها تنكره وترده .
وأولئك الذين كانوا يواجهون عقيدة التوحيد بالشرك ; ويقابلون دعوة رسول الله [ ص ] بالجدال العنيف ; لم يكونوا يستطيعون أن يزيفوا منطق فطرتهم حين تواجه بالدليل الكوني الممثل في وجود السماوات والأرض , وقيامهما أمام العين , لا تحتاجان إلى أكثر من النظر !
ومن ثم لم يكونوا يتلجلجون في الجواب:لو سئلوا: (من خلق السماوات والأرض ?)وجوابهم:(الله). . لذلك يوجه الله رسوله [ ص ] ليعقب على جوابهم هذا بحمد الله: (قل:الحمد لله). . الحمد لله على وضوح الحق في الفطرة , والحمد لله على هذا الإقرار القهري أمام الدليل الكوني . والحمد لله على كل حال . ثم يضرب عن الجدل والتعقيب بتعقيب آخر: (بل أكثرهم لا يعلمون). . ومن ثم يجادلون ويجهلون منطق الفطرة , ودلالة هذا الكون على خالقه العظيم .