مقدمة الوحدة الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى). . وهؤلاء , الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة . فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية . التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ ص ] وإن كان هناك احتمال آخر , وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ; يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين , على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا . ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال .
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين , يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال , دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم , تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة . ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة , مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها , ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها , ويعرفون قدرها . وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة , كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات . فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء . وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم . .
(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله , وشاقوا الرسول - من بعد ما تبين لهم الهدى - لن يضروا الله شيئا , وسيحبط أعمالهم). .
إنه قرار من الله مؤكد , ووعد منه واقع:أن الذين كفروا , ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس ; وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أية وسيلة من الوسائل , وشاقوا الرسول [ ص ] في حياته بإعلان الحرب عليه , والمخالفة عن طريقه , والوقوف في غير صفه . أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته . وذلك (من بعد ما تبين لهم الهدى). . وعرفوا أنه الحق ; ولكنهم اتبعوا الهوى , وجمح بهم العناد وأعماهم الغرض , وقادتهم المصلحة العاجلة . .
قرار من الله مؤكد , ووعد من الله واقع أن هؤلاء (لن يضروا الله شيئا). . وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى . فليس هذا هو المقصود إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثا في نواميسه وسننه . مهما بلغ من قوتهم , ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها ; وليست ضرا حقيقيا لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة: (وسيحبط أعمالهم). . فتنتهي إلى الخيبة والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام !
وفي ظل هذا المصير المخيف للذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول . . يلتفت إلى الذين آمنوا ليحذرهم ظل هذا المصير , ويوجههم إلى طاعة الله وطاعة الرسول:
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول , ولا تبطلوا أعمالكم). .
وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة ; أو من تثقل عليه بعض التكاليف , وتشق عليه بعض التضحيات , التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف