المعهودة ? إن هذا جائز . فبويضة المرأة تبدأ بعد التلقيح في النشاط والنمو حتى تستكمل تسعة أشهر قمرية , والنفخة تكون قد أدت دور التلقيح فسارت البويضة سيرتها الطبيعية . . كما أنه من الجائز في مثل هذه الحالة الخاصة أن لا تسير البويضة بعد النفخة سيرة عادية , فتختصر المراحل اختصارا ; ويعقبها تكون الجنين ونموه واكتماله في فترة وجيزة . . ليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين . فلا نجري طويلا وراء تحقيق القضية التي لا سند لنا فيها . . . فلنشهد مريم تنتبذ مكانا قصيا عن أهلها , في موقف أشد هولا من موقفها الذي أسلفنا . فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق , بينها وبين نفسها , فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة . ثم هي تواجه الآلام الجسدية بجانب الآلام النفسية . تواجه المخاض الذي(أجاءها)إجاءة إلى جذع النخلة , واضطرها اضطرارا إلى الاستناد عليها . وهي وحيدة فريدة , تعاني حيرة العذراء في أول مخاض , ولا علم لها بشيء , ولا معين لها في شيء . . فإذا هي قالت: (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)فإننا لنكاد نرى ملامحها , ونحس اضطراب خواطرها , ونلمس مواقع الألم فيها . وهي تتمنى لو كانت(نسيا):تلك الخرقة التي تتخذ لدم الحيض , ثم تلقى بعد ذلك وتنسى ! وفي حدة الألم وغمرة الهول تقع المفاجأة الكبرى:
(فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا . وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا . فكلي واشربي وقري عينا , فإما ترين من البشر أحدا فقولي:إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا). .
يالله ! طفل ولد اللحظة يناديها من تحتها . يطمئن قلبها ويصلها بربها , ويرشدها إلى طعامها وشرابها . ويدلها على حجتها وبرهانها !
لا تحزني . . (قد جعل ربك تحتك سريا)فلم ينسك ولم يتركك , بل أجرى لك تحت قدميك جدولا ساريا - الأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع أو تدفق من مسيل ماء في الجبل - وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطبا . فهذا طعام وذاك شراب . والطعام الحلو مناسب للنفساء . والرطب والتمر من أجود طعام النفساء . (فكلي واشربي)هنيئا . (وقري عينا)واطمئني قلبا . فأما إذا واجهت أحدا فأعلنيه بطريقة غير الكلام , أنك نذرت للرحمن صوما عن حديث الناس وانقطعت إليه للعبادة . ولا تجيبي أحدا عن سؤال . .
ونحسبها قد دهشت طويلا , وبهتت طويلا , قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزه ليساقط عليها رطبا جنيا . . ثم أفاقت فاطمأنت إلى أن الله لا يتركها . وإلى أن حجتها معها . . هذا الطفل الذي ينطق في المهد . . فيكشف عن الخارقة التي جاءت به إليها . .
(فأتت به قومها تحمله . . !). . فلنشهد هذا المشهد المثير:
إننا لنتصور الدهشة التي تعلو وجوه القوم - ويبدو أنهم أهل بيتها الأقربون في نطاق ضيق محدود - وهم يرون ابنتهم الطاهرة العذراء الموهوبة للهيكل العابدة المنقطعة للعبادة . . يرونها تحمل طفلا !
(قالوا:يا مريم لقد جئت شيئا فريا . يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء , وما كانت أمك بغيا !)
إن ألسنتهم لتنطلق بالتقريع والتأنيب: (يا مريم لقد جئت شيئا فريا)فظيعا مستنكرا . ثم يتحول السخط إلى تهكم مرير: (يا أخت هارون)النبي الذي تولى الهيكل هو وذريته من بعده والذي تنتسبين إليه بعبادتك وانقطاعك لخدمة الهيكل . فيا للمفارقة بين تلك النسبة التي تنتسبينها وذلك الفعل الذي تقارفينه ! (ما كان