أبوك امرأ سوء , وما كانت أمك بغيا)حتى تأتي بهذه الفعلة التي لا يأتيها إلا بنات آباء السوء والأمهات البغايا ! وتنفذ مريم وصية الطفل العجيب التي لقنها إياها:
(فأشارت إليه). . فماذا تقول في العجب والغيظ الذي ساورهم وهم يرون عذراء تواجههم بطفل ; ثم تتبجح فتسخر ممن يستنكرون فعلتها فتصمت وتشير لهم إلى الطفل ليسألوه عن سرها !
(قالوا:كيف نكلم من كان في المهد صبيا ?).
ولكن ها هي ذي الخارقة العجيبة تقع مرة أخرى:
قال:إني عبد الله , آتاني الكتاب , وجعلني نبيا , وجعلني مباركا أينما كنت , وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا , وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا , والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا .
وهكذا يعلن عيسى - عليه السلام - عبوديته لله . فليس هو ابنه كما تدعي فرقة . وليس هو إلها كما تدعي فرقة . وليس هو ثالث ثلاثة هم إله واحد وهم ثلاثة كما تدعي فرقة . . ويعلن أن الله جعله نبيا , لا ولدا ولا شريكا . وبارك فيه , وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته . والبر بوالدته والتواضع مع عشيرته . فله إذن حياة محدودة ذات أمد . وهو يموت ويبعث . وقد قدر الله له السلام والأمان والطمأنينة يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا . .
والنص صريح هنا في موت عيسى وبعثه . وهو لا يحتمل تأويلا في هذه الحقيقة ولا جدالا .
الدرس الرابع:34 - 36 عيسى ينص على بشريته وعبوديته لله
ولا يزيد السياق القرآني شيئا على هذا المشهد . لا يقول:كيف استقبل القوم هذه الخارقة . ولا ماذا كان بعدها من أمر مريم وابنها العجيب . ولا متى كانت نبوته التي أشار إليها وهو يقول:
(آتاني الكتاب وجعلني نبيا). . ذلك أن حادث ميلاد عيسى هو المقصود في هذا الموضع . فحين يصل به السياق إلى ذلك المشهد الخارق يسدل الستار ليعقب بالغرض المقصود في أنسب موضع من السياق , بلهجة التقرير , وإيقاع التقرير:
(ذلك عيسى ابن مريم . قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذ من ولد . سبحانه . إذا قضى أمرا فإنما يقول له:كن فيكون . وإن الله ربي وربكم فاعبدوه . هذا صراط مستقيم). .
ذلك عيسى ابن مريم , لا ما يقوله المؤلهون له أو المتهمون لأمه في مولده . . ذلك هو في حقيقته وذلك واقع نشأته . ذلك هو يقول الحق الذي فيه يمترون ويشكون . يقولها لسانه ويقولها الحال في قصته: (ما كان لله أن يتخذ من ولد)تعالى وتنزه فليس من شأنه أن يتخذ ولدا . والولد إنما يتخذه الفانون للامتداد , ويتخذه الضعاف للنصرة . والله باق لا يخشى فناء , قادر لا يحتاج معينا . والكائنات كلها توجد بكلمة كن . وإذا قضى أمرا فإنما يقول له:كن فيكون . . فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين . . وينتهي ما يقوله عيسى - عليه السلام - ويقوله حاله بإعلان ربوبية الله له وللناس , ودعوته إلى عبادة الله الواحد بلا شريك:(وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم). . فلا يبقى بعد شهادة عيسى وشهادة قصته مجال للأوهام والأساطير . . وهذا هو المقصود بذلك التعقيب في لغة التقرير وإيقاع التقرير .