وهم إلى هذا محال بينهم وبين الحق والهدى بسد من أمامهم وسد من خلفهم ; فلو أرخي الشد فنظروا لم تنفذ أبصارهم كذلك من هذه السدود ! وقد سدت عليهم سبيل الرؤية وأغشيت أبصارهم بالكلال !
ومع عنف هذا المشهد الحسي وشدته فإن الإنسان ليلتقي بأناس من هذا النوع , يخيل إليه وهم لا يرون الحق الواضح ولا يدركونه أن هنالك حائلاً عنيفاً كهذا بينهم وبينه . وأنه إذا لم تكن هذه الأغلال في الأيدي , وإذا لم تكن الرؤوس مقمحة ومجبرة على الارتفاع , فإن نفوسهم وبصائرهم كذلك . مشدودة عن الهدى قسراً وملفوتة عن الحق لفتاً . وبينها وبين دلائل الهدى سد من هنا وسد من هناك . وكذلك كان أولئك الذين واجهوا هذا القرآن بمثل ذلك الإنكار والجحود . وهو يصدع بالحجة , ويدلي بالبرهان . وهو بذاته حجة ذات سلطان لا يتماسك لها إنسان .
(وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). .
فلقد قضى الله فيهم بأمره , بما علمه من طبيعة قلوبهم التي لا ينفذ إليها الإيمان . ولا ينفع الإنذار قلباً غير مهيأ للإيمان , مشدود عنه , محال بينه وبينه بالسدود . فالإنذار لا يخلق القلوب , إنما يوقظ القلب الحي المستعد للتلقي:
(إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب , فبشره بمغفرة وأجر كريم). .
والذكر يراد به هنا القرآن - على الأرجح - والذي اتبع القرآن , وخشي الرحمن دون أن يراه , هو الذي ينتفع بالإنذار , فكأنه هو وحده الذي وجه إليه الإنذار . وكأنما الرسول [ ص ] قد خصه به , وإن كان قد عمم . إلا أن أولئك حيل بينهم وبين تلقيه , فانحصر في من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب . وهذا يستحق التبشير بعد انتفاعه بالانذار: (فبشره بمغفرة وأجر كريم). . المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر . والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب , واتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر . وهما متلازمان في القلب . فما تحل خشية الله في قلب إلا ويتبعها العمل بما أنزل . والاستقامة على النهج الذي أراد .
وهنا يؤكد وقوع البعث ; ودقة الحساب , الذي لا يفوته شيء:
(إنا نحن نحيي الموتى , ونكتب ما قدموا وآثارهم , وكل شيء أحصيناه في إمام مبين). .
وإحياء الموتى هو إحدى القضايا التي استغرقت جدلاً طويلاً . وسيرد منه في هذه السورة أمثلة منوعة . وهو ينذرهم أن كل ما قدمت أيديهم من عمل , وكل ما خلفته أعمالهم من آثار , كلها تكتب وتحصى , فلا يند منها شيء ولا ينسى . والله سبحانه هو الذي يحيي الموتى , وهو الذي يكتب ما قدموا وآثارهم , وهو الذي يحصي كل شيء ويثبته . فلا بد إذن من وقوع هذا كله على الوجه الذي يليق بكل ما تتولاه يد الله .
والإمام المبين . واللوح المحفوظ . وأمثالها . أقرب تفسير لها هو علم الله الأزلي القديم وهو بكل شيء محيط .
الدرس الثاني:13 - 19 إرسال الله تعالى الرسل وتكذيب الكافرين لهم والعقاب لهم على ذلك
وبعد عرض قضية الوحي والرسالة , وقضية البعث والحساب , في هذه الصورة التقريرية , يعود السياق ليعرضهما في صورة قصصية . تلمس القلب بما كان من مواقف التكذيب والإيمان وعواقبهما معروضة كالعيان:
واضرب لهم مثلاً اصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث , فقالوا:إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا , وما أنزل الرحمن من شيء , إن أنتم إلا تكذبون . قالوا:ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين . قالوا:إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم