الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة . وفي الأخير يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم , ويكسوه شحوب وذبول . ذبول العرجون القديم ! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب ! والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة . والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة , لا ينجو من تأثرات واستجابات , ومن سبحات مع اليد المبدعة للجمال والجلال ; المدبرة للأجرام بذلك النظام . سواء كان يعلم سر هذه المنازل والأشكال القمرية المختلفة أو لا يعلم . فالمشاهدة وحدها كفيلة بتحريك القلب , واستجاشة الشعور , وإثارة التدبر والتفكير .
وأخيراً يقرر دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة , ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق:
(لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر , ولا الليل سابق النهار , وكل في فلك يسبحون). .
ولكل نجم أو كوكب فلك , أو مدار , لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه . والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة . فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر بنحو ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال . والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال . . وهذه المسافات على بعدها ليست شيئاً يذكر حين تقاس إلى بعد ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا . وهو يقدر بنحو أربع سنوات ضوئية . وسرعة الضوء تقدر بستة وثمانين ومائة ألف من الأميال في الثانية الواحدة! [ أي إن أقرب نجم إلينا يبعد عنا بنحو مائة وأربعة مليون مليون ميل ! ] .
وقد قدر الله خالق هذا الكون الهائل أن تقوم هذه المسافات الهائلة بين مدارات النجوم والكواكب . ووضع تصميم الكون على هذا النحو ليحفظه بمعرفته من التصادم والتصدع - حتى يأتي الأجل المعلوم - فالشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر . والليل لا يسبق النهار , ولا يزحمه في طريقه , لأن الدورة التي تجيء بالليل والنهار لا تختل أبداً فلا يسبق أحدهما الآخر أو يزحمه في الجريان !
(وكل في فلك يسبحون). .
وحركة هذه الأجرام في الفضاء الهائل أشبه بحركة السفين في الخضم الفسيح . فهي مع ضخامتها لا تزيد على أن تكون نقطاً سابحة في ذلك الفضاء المرهوب .
وإن الإنسان ليتضاءل ويتضاءل , وهو ينظر إلى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم الدوارة , والكواكب السيارة . متناثرة في ذلك الفضاء , سابحة في ذلك الخضم , والفضاء من حولها فسيح فسيح وأحجامها الضخمة تائهة في ذلك الفضاء الفسيح !!!
الدرس الرابع:41 آيات الله في تسخير البحار والسفن للناس
(وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون , وخلقنا لهم من مثله ما يركبون , وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون , إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين). .
إن في السياق مناسبة لطيفة بين النجوم والكواكب السابحة في أفلاكها , والفلك المشحون السابح في الماء يحمل ذرية بني آدم ! مناسبة في الشكل , ومناسبة في الحركة , ومناسبة في تسخير هذا وذلك بأمر الله , وحفظه بقدرته في السماوات والأرض سواء .
وهذه آية كتلك يراها العباد ولا يتدبرونها . بل هذه أقرب إليهم وأيسر تدبراً لو فتحوا قلوبهم للآيات .