ولكن ضميرا واحدا فيهم , يرتعش لهول ما هم مقدمون عليه . فيقترح حلا يريحهم من يوسف , ويخلي لهم وجه أبيهم , ولكنه لا يقتل يوسف , ولا يلقيه في أرض مهجورة يغلب فيها الهلاك . إنما يلقيه في الجب على طريق القوافل , حيث يرجح أن تعثر عليه إحدى القوافل فتنقذه وتذهب به بعيدا:(قال قائل منهم:لا تقتلوا يوسف , وألقوه في غيابة الجب , يلتقطه بعض السيارة . إن كنتم فاعلين). .
ونحس من قوله:
(إن كنتم فاعلين). .
روح التشكيك والتثبيط . كأنه يشككهم في أنهم مصرون على إبقاع الأذى بيوسف . وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل , واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ . ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم ; ولم يكونوا على استعداد للتراجع فما اعتزموه . . نفهم هذا من المشهد التالي في السياق . .
الدرس الرابع:10 - 14 أخوة يوسف يراودون أباهم
فها هم أولاء عند أبيهم , يراودونه في اصطحاب يوسف معهم منذ الغداة . وها هم أولاء يخادعون أباهم , ويمكرون به وبيوسف . فلنشهد ولنستمع لما يدور:
قالوا:يا أبانا , مالك لا تأمنا على يوسف , وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب , وإنا له لحافظون ! قال:إني ليحزنني أن تذهبوا به , وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا:لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذن لخاسرون . .
والتعبير يرسم بكلماته وعباراته كل ما بذلوه ليتدسسوا به إلى قلب الوالد المتعلق بولده الصغير الحبيب , الذي يتوسم فيه أن يكون الوارث لبركات أبيه إبراهيم . .
(يا أبانا). .
بهذا اللفظ الموحي المذكر بما بينه وبينهم من آصرة .
مالك لا تأمنا على يوسف ? . .
سؤال فيه عتب وفيه استنكار خفي , وفيه استجاشة لنفي مدلوله من أبيهم , والتسليم لهم بعكسه وهو تسليمهم يوسف . فهو كان يستبقي يوسف معه ولا يرسله مع إخوته إلى المراعي والجهات الخلوية التي يرتادونها لأنه يحبه ويخشى عليه ألا يحتمل الجو والجهد الذي يحتملونه وهم كبار , لا لأنه لا يأمنهم عليه . فمبادرتهم له بأنه لا يأتمنهم على أخيهم وهو أبوهم , مقصود بها استجاشته لنفي هذا الخاطر ; ومن ثم يفقد إصراره على احتجاز يوسف . فهي مبادرة ماكرة منهم خبيثة !
مالك لا تأمنا على يوسف ? وإنا له لناصحون . .
قلوبنا له صافية لا يخالطها سوء - وكاد المريب أن يقول خذوني - فذكر النصح هنا وهو الصفاء والإخلاص يشي بما كانوا يحاولون إخفاءه من الدغل المريب . .
(أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون). .
زيادة في التوكيد , وتصويرا لما ينتظر يوسف من النشاط والمسرة والرياضة , مما ينشط والده لإرساله معهم كما يريدون .