أما هم فقد طلب إليهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه صراحة بأن ابنه سرق , فأخذ بما سرق . ذلك ما علموه شهدوا به . أما إن كان بريئا , وكان هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه , فهم غير موكلين بالغيب . كما أنهم لم يكونوا يتوقعون أن يحدث ما حدث , فذلك كان غيبا بالنسبة إليهم , وما هم بحافظين للغيب . وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها - وهي عاصمة مصر - والقرية اسم للمدينة الكبيرة - وليسأل القافلة التي كانوا فيها , فهم لم يكونوا وحدهم , فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتمتار الغلة في السنين العجاف . . الدرس الثاني:83 - 87 حزن يعقوب على فقد ولديه وطلبه البحث عنهما
ويطوي السياق الطريق بهم , حتى يقفهم في مشهد أمام أبيهم المفجوع , وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع . فلا نسمع إلا رده قصيرا سريعا , شجيا وجيعا . ولكن وراءه أملا لم ينقطع في الله أن يرد عليه ولديه , أو أولاده الثلاثة بما فيهم كبيرهم الذي أقسم ألا يبرح حتى يحكم الله له . وإنه لأمل عجيب في ذلك القلب الوجيع:
(قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم). .
(بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل). . كلمته ذاتها يوم فقد يوسف . ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك . . (إنه هو العليم الحكيم). . الذي يعلم حاله , ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات , ويأتي بكل أمر في وقته المناسب , عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج .
هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ ? إنه الرجاء في الله , والاتصال الوثيق به , والشعور بوجوده ورحمته . ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة , فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار .
وتولى عنهم وقال:يا أسفا على يوسف ! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم . .
وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع . يحس أنه منفرد بهمه , وحيد بمصابه , لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه , فينفرد في معزل , يندب فجيعته في ولده الحبيب . يوسف . الذي لم ينسه , ولم تهون من مصيبته السنون , والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل:
يا أسفا على يوسف ! . .
ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزنا وكمدا:
(وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). .
ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به , وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم , فلا يسرون عنه , ولا يعزونه , ولا يعللونه بالرجاء , بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير:
(قالوا:تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين !). .
وهي كلمة حانقة مستنكرة . تالله تظل تذكر يوسف , ويهدك الحزن عليه , حتى تذوب حزنا أو تهلك أسى بلا جدوى . فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود !