|
في ظلال القرآن
الكريم
يونس من الاية 1 الى الاية 1 الر تöلْكَ آيَاتُ الْكöتَابö الْحَكöيمö (1)
بسم الله الرحمن الرحيم التعريف بالسورة نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي , بجوه الخاص , وظلاله وإيقاعاته وإيحاءاته . بعدما عشنا فترة في هذه الظلال مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني . والقرآن المكي , ولو أنه قرآن من القرآن , يشترك مع سائره في خصائصه القرآنية العامة ; وفي تفرده من كل قول آخر لا يحمل الطابع الرباني الفريد العجيب , في الموضوع وفي الأداء سواء . . إلا أن له مع ذلك جوه الخاص , ومذاقه المعين , الذي يعينه موضوعه الأساسي [ وهو في اختصار:حقيقة الألوهية , وحقيقة العبودية , وحقيقة العلاقات بينهما ; وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه , ويتبعوا أمره وشرعه ; وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش ودخل وانحراف والتواء ; ورد الناس إلى إلههم الحق الذي يستحق الدينونة لربوبيته ] . . كما يعينه أسلوب العرض لهذا الموضوع . وهو أسلوب موح , عميق الإيقاع , بالغ التأثير ; حيث تشترك في أداء هذا الغرض كل خصائص التعبير , من البناء اللفظي , إلى المؤثرات الموضوعية على النحو الذي فصلناه من قبل , في سورة الأنعام , والذي سنلم به هنا إن شاء الله . ولقد كان آخر عهدنا - في هذه الظلال - بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف - وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول - ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة - فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا . . والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع , وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك ! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها , وتواجه الجاهلية بها , وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا , وعبادة وعملا . بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ . وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود . . في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا . . إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس , بارتفاع وضخامة في الإيقاع , وسرعة وقوة في النبض , ولألاء شديد في التصوير والحركة . . بينما تمضي سورة يونس , في إيقاع رخي , ونبض هادئ , وسلاسة وديعة ! . . فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا . . ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة , وملامحها المميزة , بعد كل هذا التشابه والاختلاف ! والموضوع الرئيسي في سورة يونس هو ذات الموضوع العام للقرآن المكي الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة . . والسورة تتناول محتوياته وفق طريقتها الخاصة , التي تحدد شخصيتها وملامحها . . ونحن لا نملك - في هذا التقديم - إلا تلخيص هذه المحتويات واحداً واحداً في إجمال , حتى يجيء بيانها المفصل في أثناء استعراض النصوص القرآنية: إنها تواجه ابتداء موقف المشركين في مكة من حقيقة الوحي إلى رسول اللّه - [ ص ] - ومن هذا القرآن ذاته بالتبعية ; فتقرر لهم أن الوحي لا عجب فيه , وأن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله:(الر تلك آيات الكتاب الحكيم . أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس , وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم , قال الكافرون إن هذا لساحر مبين). .(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات , قال الذين لا يرجون لقاءنا:ائت بقرآن غير هذا أو بدله . قل:ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي , إن أتبع إلا ما يوحى إلي , إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل:لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به , فقد لبثت فيكم عمرا من قبله , أفلا تعقلون ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح المجرمون). .(وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله , ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . أم يقولون افتراه ? قل:فأتوا بسورة مثله , وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). . وتواجه طلبهم خارقة مادية - غير القرآن - واستعجالهم بالوعيد الذي يسمعونه . فتقرر لهم أن آية هذا الدين هي هذا القرآن ; وهو يحمل برهانه في تفرده المعجز الذي تتحداهم به . وأن الآيات في يد الله ومشيئته ; وأن موعدهم بالجزاء يتعلق بأجل يقدره اللّه , والنبي لا يملك شيئا فهو عبد من عباد الله . - وفي هذا جانب من التعريف لهم بربهم الحق وحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية -:(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات , وما كانوا ليؤمنوا , كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم , لننظر كيف تعملون). .(ولكل أمة رسول , فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ويقولون:متى هذا الوعد , إن كنتم صادقين ? قل:لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله , لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قل:أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ? ماذا يستعجل منه المجرمون ? أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ?!). .(ويقولون:لولا أنزل عليه آية من ربه ! فقل:إنما الغيب لله , فانتظروا إني معكم من المنتظرين). وتواجه اضطراب تصورهم لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية - الأمر الذي يحدثهم رسول الله [ ص ] فيه , فيكذبون بالوحي أو يتشككون فيه ; ويطلبون قرآناً غيره , أو يطلبون خارقة مادية تثبت لهم صحته - بينما هم سادرون في عبادة مالا يضرهم ولا ينفعهم من الشركاء , على اعتقاد أنهم شفعاؤهم عند الله ; كما يزعمون لله الولد سبحانه بلا علم ولا بينة . . فتقرر لهم صفات الإله الحق وآثار قدرته في الوجود من حولهم , وفي وجودهم هم أنفسهم , وفيما يتقلب بهم من ظواهر الكون , وما يتقلب بهم هم من أحوال وهتاف فطرتهم وأنفسهم بربها الحق عند مواجهة الخطر الذي لا دافع له إلا الله . . وهذه هي القضية الكبرى التي تستغرق قطاعات شتى من السورة ; والتي تتفرع عنها سائر محتوياتها الأخرى: إن ربكم اللّه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام , ثم استوى على العرش يدبر الأمر , ما من شفيع إلا من بعد إذنه . ذلكم الله ربكم فاعبدوه , أفلا تذكرون ? إليه مرجعكم جميعاً , وعد اللّه حقاً , إنه يبدأ الخلق ثم يعيده , ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط , والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون . هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً , وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب , ما خلق الله ذلك إلا بالحق , يفصل الآيات لقوم يعلمون . (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون). . (ويعبدون من دون اللّه مالا يضرهم ولا ينفعهم , ويقولون:هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . قل:أتنبؤن اللّه بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ? سبحانه وتعالى عما يشركون). .(هو الذي يسيركم في البر والبحر , حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف , وجاءهم الموج من كل مكان , وظنوا أنهم أحيط بهم , دعوا الله مخلصين له الدين:لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق , يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا , ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون). .(قل:من يرزقكم من السماء والأرض ? أم من يملك السمع والأبصار ? ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ? ومن يدبر الأمر ? فسيقولون:اللّه . فقل:أفلا تتقون ? فذلكم الله ربكم الحق , فماذا بعد الحق إلا الضلال ! فأنى تصرفون ?). . (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ? قل:الله يبدأ الخلق ثم يعيده , فأنى تؤفكون ? قل:هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ? قل:الله يهدي للحق . أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي ? فما لكم كيف تحكمون ? وما يتبع أكثرهم إلا ظنا , إن الظن لا يغني من الحق شيئاً , إن اللّه عليم بما يفعلون). .(ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض , وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء , إن يتبعون إلا الظن , وإن هم إلا يخرصون . هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً , إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون). .(قالوا:اتخذ الله ولداً - سبحانه - هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض , إن عندكم من سلطان بهذا ? أتقولون على الله ما لا تعلمون ? قل:إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون . متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم , ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون). .(ألا إن لله ما في السماوات والأرض . ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون . هو يحيي ويميت وإليه ترجعون). وتصور لهم حضور الله - سبحانه - وشهوده لكل ما يهم به البشر , وكل ما يزاولون من نية وعمل ; مما يملأ الحس البشري بالرهبة والروعة , كما يملؤه بالحذر واليقظة . . وذلك في مثل قوله تعالى في هذه السورة: وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن . ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه . وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء , ولا أصغر من ذلك ولا أكبر , إلا في كتاب مبين . كذلك تملأ نفوسهم بالتوجس والتوقع لبأس الله في كل لحظة , ليخرجوا من الغفلة التي ينشئها الرخاء والنعمة ; ولا ينخدعوا بازدهار الحياة حولهم فيأمنوا بأس الله الذي يأتي بغتة: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض , مما يأكل الناس والأنعام . حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت , وظن أهلها أنهم قادرون عليها , أتاها أمرنا ليلا أو نهارا , فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس . كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون). .(قل:أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ! ماذا يستعجل منه المجرمون ? أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ? !). وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة , وتكذيبهم بلقاء الله , بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة , ومن الخسارة في الصفقة الدون التي يرضونها , وتعريفهم بأن هذه الحياة الدينا إنما هي للابتلاء , وفي الآخرة الجزاء . . ثم تواجههم بعرض مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة ; وخاصة ما يتصل منها بتخلي الشركاء عن عبادهم , وتبرئهم منهم إلى اللّه , وتعذر الفداء من العذاب مهما كبر الفداء:(إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها , والذين هم عن آياتنا غافلون . أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم , تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم . دعواهم فيها:سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). .(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا , وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا , كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون). . (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . للذين أحسنوا الحسنى وزيادة , ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة , أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها , وترهقهم ذلة , مالهم من الله من عاصم , كأنما أغشيت وجوههم قطعا . من الليل مظلما , أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). . (ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:مكانكم أنتم وشركاؤكم ! فزيلنا بينهم , وقال شركاؤهم:ما كنتم إيانا تعبدون . فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم , إن كنا عن عبادتكم لغافلين . هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت , وردوا إلى الله مولاهم الحق , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .(ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين). .(ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به , وأسروا الندامة لما رأوا العذاب , وقضي بينهم بالقسط , وهم لا يظلمون). . ثم تواجه ما يترتب على اضطراب تصورهم للألوهية ; وما يترتب على تكذيبهم بالبعث والآخرة , وما يترتب على تكذيبهم بالوحي والنذارة , من انطلاقهم في واقع الحياة العملية يزاولون خصائص الربوبية في التشريع لحياتهم , والتحليل والتحريم في أرزاقهم ومعاملاتهم وفق ما تصوره لهم وثنيتهم واعتقادهم بالشركاء الذين يجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله يأخذه السدنة والكهنة ليحلوا لهم ما يشاءون ويحرموا عليهم ما يشاءون . . وهي القضية الكبرى التي تلي قضية الاعتقاد وتنبثق منها:(قل:أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ? قل:آلله أذن لكم ? أم على الله تفترون ? وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ? إن الله لذو فضل على الناس , ولكن أكثرهم لا يشكرون). والسورة تحتشد - في إبلاغ تلك الحقائق التي تحتويها وتثبيتها وتعميقها واستجاشة القلوب والعقول لها - بشتى المؤثرات الموحية , التي يحفل بها الأداء القرآني الفريد في الموضوع وفي التعبير عنه سواء . وهي مؤثرات - على عمقها وحيويتها وحركتها - تناسب شخصية السورة وطبيعتها التي تحدثنا في الفقرة الأولى عنها . . وهذه نماذج منها , نلم بها هنا إجمالا , حتى نستعرضها في السياق تفصيلا: تحتشد السورة بمشاهد هذا الكون وظواهره , الموحية للفطرة البشرية بحقيقة الألوهية , الدالة على التدبير الحكيم , والقصد المرسوم في بناء هذا الكون وتصريفه , وفي الموافقات المبثوثة فيه لنشأة الحياة والأحياء , ولحياة الكائن الإنساني وتلبية حاجاته في حياته . . وقضية الألوهية يعرضها القرآن في هذه الصورة الحية الواقعية الموحية ; ولا يعرضها في أسلوب الجدل الفلسفي والمنطق الذهني , والله خالق هذا الكون وخالق هذا الإنسان يعلم - سبحانه - أن بين فطرة هذا الإنسان ومشاهد هذا الكون وأسراره لغة مفهومة ! وتجاوباً أعمق من منطق الذهن البارد الجاف ; وأن هذه الفطرة يكفي أن توجه إلى مشاهد هذا الكون وأسراره ; وأن تستجاش لتستيقظ فيها أجهزة الاستقبال والتلقي ; وأنها عندئذ تهتز وتتفتح وتتلقى وتستجيب . . ومن ثم يكثر خطاب الفطرة البشرية - في القرآن - بهذه اللغة المفهومة . . وهذه نماذج من هذا الخطاب العميق الموحي:إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام , ثم استوى على العرش , يدبر الأمر , ما من شفيع إلا من بعد إذنه . ذلكم الله ربكم فاعبدوه . أفلا تذكرون ? . . (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً , وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب . ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق , يفصل الآيات لقوم يعلمون . إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون). . (قل:من يرزقكم من السماء والأرض ; أم من يملك السمع والأبصار ? ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ? ومن يدبر الأمر ? فسيقولون الله , فقل:أفلا تتقون ? فذلكم الله ربكم الحق , فماذا بعد الحق إلا الضلال ? فأنى تصرفون ?). (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا , إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون). . (قل:انظروا ماذا في السماوات والأرض , وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). . وتحتشد بمشاهد الأحداث والتجارب التي يشهدونها بأعينهم ويعيشونها بأنفسهم ; ولكنهم يمرون بها غافلين عن دلالتها على التدبير والتقدير , والتصريف والتسيير . . ويعرض السياق القرآني لهم مشاهد من واقعهم هم في استقبال تلك الأحداث والتجارب ; كما ترفع المرآة للغافل عن نفسه فيرى فيها كيف هو على حقيقته ! وهذه نماذج من ذلك المنهج القرآني الفريد: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ! كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون !). . (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ! قل:الله أسرع مكرا , إن رسلنا يكتبون ما تمكرون . هو الذي يسيركم في البر والبحر , حتى إذا كنتم في الفلك , وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف , وجاءهم الموج من كل مكان , وظنوا أنهم أحيط بهم , دعوا الله مخلصين له الدين:لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق . يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا , ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون). . وتحتشد بمصارع الغابرين من المكذبين . آناً في صورة الخبر , وآنا في صورة قصص بعض الرسل . وتلتقي كلها عند عرض مشاهد التدمير على المكذبين ; وتهديدهم بمثل هذا المصير الذي لقيه من قبلهم . فلا تغرنهم الحياة الدنيا , فإن هي إلا فترة قصيرة للابتلاء . أو ساعة من نهار يتعارف فيها الناس , ثم يعودون إلى دار الإقامة في العذاب أو في النعيم ! (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا . كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون). . (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه:يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت , فأجمعوا أمركم وشركاءكم , ثم لا يكن أمركم عليكم غمة , ثم اقضوا إلي ولا تنظرون . فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله , وأمرت أن أكون من المسلمين . فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا . فانظر كيف كان عاقبة المنذرين). . (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا:إن هذا لسحر مبين . قال موسى:أتقولون للحق لما جاءكم . أسحر هذا ? ولا يفلح الساحرون). . إلى قوله تعالى في نهاية القصة: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا - حتى إذا أدركه الغرق قال:آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين . آلآن ? وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ?! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية , وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون . . (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ? قل:فانتظروا إني معكم من المنتظرين . ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا , كذلك حقا علينا ننج المؤمنين). . وتحتشد بمشاهد القيامة , تعرض عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين , عرضا حيا متحركا مؤثرا عميق الإيقاع في القلوب . فتعرض مع مشاهد المصارع في الحياة الدنيا والتدمير على المجرمين ونجاة المؤمنين , صفحتي الحياة في الدارين , وبدء المطاف ونهايته حيث لا مهرب ولا فوت: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة , ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة , أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون - والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها , وترهقهم ذلة , ما لهم من الله من عاصم , كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما , أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). . (ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:مكانكم أنتم وشركاؤكم ! فزيلنا بينهم , وقال شركاؤكم:ما كنتم إيانا تعبدون . فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين . هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت , وردوا إلى الله مولاهم الحق , وضل عنهم ما كانوا يفترون . . (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به ! وأسروا الندامة لما رأوا العذاب , وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون). . ومن المؤثرات التي تحتشد بها السورة تحدي المشركين المكذبين بالوحي , أن يأتوا بآية من مثل هذا القرآن . . ثم توجيه الرسول [ ص ] بعد دعوتهم وتحديهم , إلى تركهم ومصيرهم - وهو مصير المكذبين الظالمين من قبلهم - والمضي في طريقه المستقيم لا يحفلهم ولا يأبه لشأنهم . . والتحدي ثم المفاصلة والاستعلاء على هذا النحو مما يوقع في قلوبهم أن هذا النبي واثق من الحق الذي معه , واثق من ربه الذي يتولاه . وهذا بدوره يهز القلوب ويزلزل العناد: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ; ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . أم يقولون افتراه ? قل:فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله . كذلك كذب الذين من قبلهم . فانظر كيف كان عاقبة الظالمين). . قل:يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله . ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم , وأمرت أن أكون من المؤمنين . وأن أقم وجهك للدين حنيفا , ولا تكونن من المشركين . ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يردك بخير فلا راد لفضله , يصيب به من يشاء من عباده , وهو الغفور الرحيم . . قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم . فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه , ومن ضل فإنما يضل عليها , وما أنا عليكم بوكيل . واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله , وهو خير الحاكمين . . وبهذه المفاصلة تختم السورة ويختم هذا الحشد من المؤثرات التي سقنا نماذج منها لا تستقصي ما في السورة من هذا المنهج القرآني الفريد في مخاطبة القلوب والعقول . هذه السورة نزلت بعد سورة الإسراء . وقد حمي الجدل من المشركين حول صدق الوحي , وحول هذا القرآن , وما يواجههم به من تسفيه لعقائدهم , ومن تنديد بجاهليتهم , ومن كشف لما في كيانها من تناقض واضح . تناقض بين ما يعتقدونه من أن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق , المحيي المميت , المدبر المتصرف في كل شيء , القادر على كل شيء - وهي الجذور الباقية من حنيفية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وبين ما يدعونه لله سبحانه من الولد , حيث كانوا يدعون أن الملائكة بنات الله , ويتخذونهم شفعاء عند الله , ويعبدون تماثيلهم من الأصنام على هذا الاعتبار ! ثم ما ينشأ عن هذا الاضطراب العقيدي من آثار في حياتهم ; وفي أوله ما كان يزاوله الكهان والرؤساء فيهم من تحريم وتحليل في الثمار والأنعام ; وجعل نصيب منها لله ونصيب لآلهتهم المدعاة ! وعندئذ كانوا يواجهون حملة القرآن على عقائدهم المهلهلة وجاهليتهم المتناقضة بأن يكذبوا رسول الله [ ص ] في نبوته والوحي إليه من ربه ; ويزعمون أنه ساحر ! وأن يطلبوا منه أن يأتيهم بخارقة تدل على أن الله أوحى إليه ; ويفتتنون في طلب هذه الخوارق على ما ورد من ذلك في سورة الإسراء مما حكاه القرآن الكريم عنهم . في مثل قوله تعالى: ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل , فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا , أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا , أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلا , أو يكون لك بيت من زخرف , أو ترقى في السماء , ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ! قل:سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ? وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا:أبعث الله بشرا رسولا ? . . وكما قال تعالى في هذه السورة:(ويقولون:لولا أنزل عليه آية من ربه !! فقل:إنما الغيب لله , فانتظروا إني معكم من المنتظرين). . كذلك كانوا يطلبون من رسول الله [ ص ] أن يأتيهم بقرآن غير هذا , لا يتعرض لآلهتهم وعقائدهم وجاهليتهم ; كي يستجيبوا له ويؤمنوا به ! كما قال الله عنهم في هذه السورة: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا:ائت بقرآن غير هذا أو بدله). . وكان الرد على مثل هذا التعسف الساذج: (قل:ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي , إن أتبع إلا ما يوحى إلي , إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل:لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به , فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح المجرمون). نزلت السورة في هذا الجو . وظاهر من سياقها أنها لحمة واحدة , تواجه واقعا متصلا ; حتى ليصعب تقسيمها إلى قطاعات متميزة . وهذا ما ينفي الرواية التي أخذ بها المشرفون على المصحف الأميري من كون الآيات 40 , 94 , 95 , 96 مدنية . . فهذه الآيات متشابكة مع السياق , وبعضها لا يتسق السياق بدونه أصلا ! والترابط في سياق السورة يوحد بين مطلعها وختامها . فيجيء في المطلع قوله تعالى:(الر تلك آيات الكتاب الحكيم . أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس , وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق , عند ربهم قال الكافرون ! إن هذا لساحر مبين). . ويجيء في الختام:(واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين). . فالحديث عن قضية الوحي هو المطلع وهو الختام . كما أنه هو الموضوع المتصل الملتحم بين المطلع والختام . كذلك يبدو الترابط بين المؤثرات المختلفة في السورة . نذكر مثالا لذلك الرد على استعجالهم بالوعيد , وتهديدهم بأنه يقع بغتة , حيث لا ينفعهم وقتها إيمان ولا توبة . . ثم يجيء القصص بعد ذلك في السورة , مصورا ذلك المشهد بعينه في مصارع الغابرين . في الرد عليهم يقول: ويقولون:متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? قل:لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا , إلا ما شاء الله , لكل أمة أجل , إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قل:أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا , ماذا يستعجل منه المجرمون ? أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ?! ثم قيل للذين ظلموا:ذوقوا عذاب الخلد , هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون . . وفي نهاية قصة موسى في السورة يجيء هذا المشهد , وكأنه الصورة الواقعية لذلك الوعيد: 10 وزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا , حتى إذا أدركه الغرق قال:آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل , وأنا من المسلمين . آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين . فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية , وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون . . ثم تتساوق في ثنايا السورة بين ذلك الرد وهذه القصة مشاهد المباغتة بأخذ الله للمكذبين ; من حيث لا يتوقعون ولا يدرون ; فترسم جوا واحدا متناسقا يبدو فيه الترابط بين المشاهد والموضوعات والأداء سواء . كذلك يجيء في حكاية قول المشركين عن رسول الله [ ص ] في أول السورة: (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين). . ثم يجيء في حكاية فرعون وملئه عن موسى - عليه السلام -:(فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا:إن هذا لسحر مبين). . وقد سميت السورة سورة يونس . بينما قصة يونس فيها لا تتجاوز إشارة سريعة على هذا النحو:(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ! إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا , ومتعناهم إلى حين). . ولكن قصة يونس - مع هذا - هي المثل الوحيد البارز للقوم الذين يتداركون أنفسهم قبل مباغتة العذاب لهم ; فيثوبون إلى ربهم وفي الوقت سعة ; وهم وحدهم في تاريخ الدعوات الذين آمنوا جملة بعد تكذيب , فكشف عنهم العذاب الذي أوعدهم به رسولهم قبل وقوعه بهم , كما هي سنة الله في المكذبين المصرّين . وهكذا نجد الترابط بكل ألوانه في سياق السورة من مطلعها إلى ختامها , مما يجعلها وحدة متكاملة متشابكة كما أسلفنا . وواضح من المقتطفات التي سبقت من نصوص السورة - في هذا التقديم - أن القضية الأساسية التي يتكئ عليها السياق كله هي قضية الألوهية والعبودية , وتجلية حقيقتهما , وبيان مقتضيات هذه الحقيقة في حياة الناس . أما سائر القضايا الأخرى التي تعرضت لها السورة كقضية الوحي , وقضية الآخرة , وقضية الرسالات السابقة . . فقد جاءت في صدد إيضاح تلك الحقيقة الكبرى وتعميقها وتوسيع مدلولها ; وبيان مقتضياتها في حياة البشر واعتقادهم وعبادتهم وعملهم . والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله , وقضية القرآن المكي بصفة خاصة . فتعريف الألوهية الحقة ; وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية ; وتعريف العبودية وحدودها التي لا تتعداها ; والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق ; واعترافهم بالربوبية والقوامة والحاكمية له وحده . . هذا هو الموضوع الرئيسي للقرآن كله . . وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها . وهذه الحقيقة الكبيرة تستحق - عند التأمل العميق - كل هذا البيان الذي هو موضوع هذا القرآن . . تستحق أن يرسل الله من أجلها رسله جميعا , وأن ينزل بها كتبه جميعا:(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). . إن حياة البشر في الأرض لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة في اعتقادهم وتصورهم , واستقامت كذلك في حياتهم وواقعهم . لا تستقيم أولاً إزاء هذا الكون الذي يعيشون فيه , ويتعاملون مع أشيائه وأحيائه . . وهم حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية يروحون يؤلهون الأشياء والأحياء - بل يؤلهون الأشباح والأوهام ! - ويُعبدون أنفسهم لها في صور مضحكة , ولكنها بائسة ! , ويقدمون لها - بوحي من الكهان والمنتفعين بأوهام العوام في كل زمان وفي كل مكان - خلاصة كدهم من الرزق الذي أعطاهم اللّه . بل إنهم ليقدمون لها فلذات أكبادهم كما يقدمون لها أرواحهم في بعض الأحيان . . وهي أشياء وأحياء لا حول لها ولا قوة , ولا تملك لهم ضراً ولا نفعاً . . وتضطرب حياتهم كلها , وهم يعيشون بين الهلع والجزع من هذه الأشياء والأحياء ; وبين التقرب والزلفى لمخلوقات مثلهم , عبوديتها للّه كعبوديتهم . . وذلك كما قال الله تعا :136-5 (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا . فقالوا:هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا ! فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ! ساء ما يحكمون ! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم - ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون - وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها , وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه ! - سيجزيهم بما كانوا يفترون - وقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ! سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم - قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم , وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله , قد ضلوا وما كانوا مهتدين . فهذه نماذج من تكاليف العبودية لغير الله في الأموال والأولاد ; التي تقدم لمخلوقات من خلق الله . أشياء أو أحياء ما أنزل الله بها من سلطان ! كذلك لا تستقيم حياة البشر إزاء بعضهم البعض بدون استقامة حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية في اعتقادهم وتصورهم , وفي حياتهم وواقعهم . . إن إنسانية الإنسان وكرامته وحريته الحقيقية الكاملة لا يمكن أن تتحقق في ظل اعتقاد أو نظام لا يفرد الله سبحانه بالربوبية والقوامة والحاكمية ; ولا يجعل له وحده حق الهيمنة على حياة الناس في الدنيا والآخرة , في السر والعلانية ; ولا يعترف له وحده بحق التشريع والأمر والحاكمية في كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية . . والواقع البشري على مدار التاريخ يثبت هذه الحقيقة ويصدقها . فما من مرة انحرف الناس عن الدينونة لله وحده - اعتقاداً ونظاماً - ودانوا لغير الله من العباد - سواء كانت هذه الدينونة , بالاعتقاد والشعائر أم كانت باتباع الأحكام والشرائع - إلا كانت العاقبة هي فقدانهم لإنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ! والتفسير الإسلامي للتاريخ ; يرد ذل المحكومين للطواغيت , وسيطرة الطواغيت عليهم , إلى عامل أساسي هو فسوق المحكومين عن دين اللّه , الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية , ومن ثم يفرده بالربوبية والسلطان والقوامة والحاكمية . فيقول الله سبحانه عن فرعون وقومه:(ونادى فرعون في قومه قال:يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ? أفلا تبصرون ? أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ? فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب , أو جاء معه الملائكة مقترنين ! فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين). . فيرد استخفاف فرعون لهم إلى أنهم فاسقون . فما يستخف الحاكم الطاغي قومه وهم مؤمنون بالله موحدون ; لا يدينون لسواه بربوبية تزاول القوامة والحاكمية ! ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة لله وحده , فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته , قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره . العبودية , التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم , مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم ; والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة ! لقد هربت أوربا من الله - في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف ! - وثارت على الله - سبحانه - في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة ! ثم ظن الناس هناك أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم - ومصالحهم كذلك - في ظل الأنظمة الفردية [ الديمقراطية ] وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية , والأوضاع النيابية البرلمانية , والحريات الصحفية , والضمانات القضائية والتشريعية , وحكم الأغلبية المنتخبة . . إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة . . ثم ماذا كانت العاقبة ? كانت العاقبة هي طغيان "الرأسمالية " ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات وكل تلك التشكيلات , إلى مجرد لافتات , أو إلى مجرد خيالات ! ووقعت الأكثرية الساحقة في عبودية ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال , فتملك معه الأغلبية البرلمانية ! والدساتير الوضعية ! والحريات الصحفية ! وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم , في معزل عن الله سبحانه !!! ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغى فيها "رأس المال" و "الطبقة ! " إلى الأنظمة الجماعية ! فماذا فعلوا ? لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة "الرأسماليين" الدينونة لطبقة "الصعاليك" ! أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان ! فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين ! وفي كل حالة وفي كل وضع وفي كل نظام دان البشر فيه للبشر , دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة . دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حالة ! إنه لا بد من عبودية ! فإن لا تكن لله وحده , تكن لغير الله . . والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا كراما شرفاء أعلياء . . والعبودية لغير الله تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم . . ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية ! من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات الله - سبحانه - وفي كتبه . . وهذه السورة نموذج من تلك العناية . . فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة . ولكنها تتعلق بالإنسان كله في كل زمان وفي كل مكان ; وتتعلق بالجاهليات كلها . . جاهليات ما قبل التاريخ . وجاهليات التاريخ . وجاهلية القرن العشرين . وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد ! ومن أجل ذلك كان جوهر الرسالات والكتب هو تقرير ألوهية الله - سبحانه - وربوبيته وحده للعباد:(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وكان ختام هذه السورة التي نواجهها: قل:يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ; ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم , وأمرت أن أكون من المؤمنين . وأن أقم وجهك للدين حنيفا , ولا تكونن من المشركين . ولا تدع من دون الله , ما لا ينفعك ولا يضرك , فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يردك بخير فلا راد لفضله , يصيب به من يشاء من عباده , وهو الغفور الرحيم . قل:يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم , فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه , ومن ضل فإنما يضل عليها . وما أنا عليكم بوكيل . واتبع ما يوحى إليك , واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . . وحسبنا هذا في التعريف بالسورة ; لنأخذ في استعراض نصوصها بالتفصيل: الوحدة الأولى:1 - 25 الموضوع:آيات دالة على الوحدانية وتقرير حقائق إيمانية بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الوحدة السورة كلها - كما أسلفنا في تقديمها - لحمة واحدة , يصعب تقسيمها إلى مقاطع:شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها في الجزء السابع - مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص - فهي تتدفق في هيئة موجات متوالية ; تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري , وتخاطبه بإيقاعات منوعة . . من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن . إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلي فيها ألوهية الله سبحانه . . إلى عرض مشاهد القيامة . إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم . إلى عرض مصارع الغابرين . . إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه من الموضوعات والمؤثرات التي تحتويها السورة . وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة . فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعا واحدا يتدفق بهذه الموجات المتتابعة . ثم تجيء قصة نوح - ومن بعده في اختصار - وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس ; فتؤلف مقطعا آخر . ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير . ونظرا لطبيعة السورة هذه فسنحاول عرضها موجة موجة - أو مجموعة من الموجات المتناسقة - كما هي طبيعتها المتميزة . . أما هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة . (ألف . لام . را)كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك . يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره: (تلك آيات الكتاب الحكيم). . ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب . من الوحي إلى الرسول [ ص ] لينذر الناس ويبشر المؤمنين , والرد على المعترضين أن يوحي الله إلى بشر . . إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما . . إلى جعل الشمس ضياء والقمر نورا , وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب . . إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير . . ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها , الذين لا يرتقبون لقاء الله مدبر كل شيء , وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير ; وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم . ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود , وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال . ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير . وضراعتهم إلى الله عند مس الأذى , ونسيانهم له عند كشف الضر . ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه , دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته , ولقيت مصارعها في ذلك الطريق ! ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول [ ص ] فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه . غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند الله , وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل . وهم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء , ويتركون عبادة الله وحده وهي تستند إلى وحي من الله . ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية الله الواضحة في القرآن , غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون . ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر . وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة , في مشهد من المشاهد النابضة المتحركة المؤثرة . في ركوب البحر عندما تسير الفلك في أول الأمر رخاء , ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان . ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا , وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة , وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب . . ذلك والله يدعو إلى دار السلام . دار الأمن والاطمئنان . الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة . . (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون). . ويدركون حكمة الله في الخلق والتدبير . الدرس الأول:1 - 2 حقيقة الوحي ورد استنكار المشركين له ألر تلك آيات الكتاب الحكيم . . من هذه الحروف وأمثالها , تتألف آيات الكتاب الحكيم , الذي ينكرون أن يكون الله قد أوحى به إلى الرسول . وهذه الحروف في متناول أيديهم , ثم لا يبلغون أن يؤلفوا منها آية واحدة من مثل آيات الكتاب - كما يتحداهم في هذه السورة - ولا يقودهم هذا إلى التدبر , وإدراك أن الوحي هو مفرق الطريق بينهم وبين الرسول , وأنه لولا هذا الوحي لوقف وقفتهم عاجزا عن تأليف آية واحدة , من هذه الحروف المبذولة للجميع . (تلك آيات الكتاب الحكيم). . الحكيم الذي يخاطب البشر بما يناسب طبائع البشر , ويعرض في هذه السورة جوانب منها صادقة باقية , نجد مصداقها في كل جيل . والحكيم الذي ينبه الغافلين إلى تدبر آيات الله في صفحة الكون وتضاعيفه . في السماء والأرض . وفي الشمس والقمر . وفي الليل والنهار . . وفي مصارع القرون الأولى . وفي قصص الرسل فيهم . . وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود . . (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس , وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ? قال الكافرون . إن هذا لساحر مبين): سؤال استنكاري . يستنكر هذا العجب الذي تلقى به الناس حقيقة الوحي منذ كانت الرسل . لقد كان السؤال الدائم الذي قوبل به كل رسول:أبعث الله بشرا رسولا ? ومبعث هذا السؤال هو عدم إدراك قيمة "الإنسان" . عدم إدراك الناس أنفسهم لقيمة "الإنسان" الذي يتمثل فيهم . فهم يستكثرون على بشر أن يكون رسول الله , وأن يتصل الله به - عن طريق الوحي - فيكلفه هداية الناس . إنهم ينتظرون أن يرسل الله ملكا أو خلقا آخر أعلى رتبة من الإنسان عند الله . غير ناظرين إلى تكريم الله لهذا المخلوق ; ومن تكريمه أن يكون أهلا لحمل رسالته ; وأن يختار من بين أفراده من يتصل بالله هذا الاتصال الخاص . هذه كانت شبهة الكفار المكذبين على عهد الرسول [ ص ] وشبهة أمثالهم في القرون الأولى . فأما في هذا العصر الحديث فيقيم بعض الناس من أنفسهم لأنفسهم شبهة أخرى لا تقل تهافتا عن تلك ! إنهم يسألون:كيف يتم الاتصال بين بشر ذي طبيعة مادية وبين الله المخالف لطبيعة كل شيء مما خلق . والذي ليس كمثله شيء ?
التالي
|