الطريق , ويهديهم إلى الخير بوحي من حساسية الضمير وتقواه . . هؤلاء يدخلون الجنة . (تجري من تحتهم الأنهار). .
وما يزال الماء ولن يزال يوحي بالخصب والري والنماء والحياة . .
فما همومهم في هذه الجنة وما هي شواغلهم , وما هي دعواهم التي يحبون تحقيقها ? إن همومهم ليست مالاً ولا جاهاً , وإن شواغلهم ليست دفع أذى ولا تحصيل مصلحة . لقد كفوا شر ذلك كله , ولقد اكتفوا فما لهم من حاجة من تلك الحاجات , ولقد استغنوا بما وهبهم الله , ولقد ارتفعوا عن مثل هذه الشواغل والهموم . إن أقصى ما يشغلهم حتى ليوصف بأنه(دعواهم)هو تسبيح الله أولا وحمده أخيرا , يتخلل هذا وذاك تحيات بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين ملائكة الرحمن:
(دعواهم فيها:سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم:أن الحمد لله رب العالمين). .
إنه الانطلاق من هموم الحياة الدنيا وشواغلها ; والارتفاع عن ضروراتها وحاجاتها , والرفرفة في آفاق الرضى والتسبيح والحمد والسلام . تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان .
الدرس الرابع:11 - 14 إشارة إلى الطبيعة الإنسانية ولفت نظر الكفار لهلاك السابقين
بعد ذلك يواجه السياق القرآني تحديهم لرسول اللّه [ ص ] وطلبهم تعجيل العذاب الذي يتوعدهم به ; ببيان أن تأجيله إلى أجل مسمى هو حكمة من اللّه ورحمة . ويرسم لهم مشهدهم حين يصيبهم الضر فعلا , فتتعرى فطرتهم من الركام وتتجه إلى خالقها . فإذا ارتفع الضر عاد المسرفون إلى ما كانوا فيه من غفلة . ويذكرهم مصارع الغابرين الذين استخلفوا هم من بعدهم ; ويلوح لهم بمثل هذا المصير ; ويبين لهم أن الحياة الدنيا إنما هي للابتلاء وبعدها الجزاء . .
(ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم , فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون . وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما , فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه , كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون . ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا , وجاءتهم رسلهم بالبينات , وما كانوا ليؤمنوا , كذلك نجزي القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم , لننظر كيف تعملون).
ولقد كان المشركون العرب يتحدون رسول الله [ ص ] أن يعجل لهم العذاب . . ومما حكاه الله تعالى عنهم في هذه السورة:(ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين). وورد في غيرها: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات)كما حكى القرآن الكريم قولهم:(وإذ قالوا:اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). .
وكل هذا يصور حالة العناد التي كانوا يواجهون بها هدى الله . . وقد شاءت حكمته أن يؤجلهم , فلا يوقع بهم عذاب الاستئصال والهلاك كما أوقعهم بالمكذبين قبلهم . فقد علم الله أن كثرتهم ستدخل في هذا الدين , فيقوم عليها , وينطلق في الأرض بها . وكان ذلك بعد فتح مكة , مما كانوا يجهلونه وهم يتحدون في جهالة !
غير عالمين بما يريده الله بهم من الخير الحقيقي . لا الخير الذي يستعجلونه استعجالهم بالشر !
والله سبحانه يقول لهم في الآية الأولى:إنه لو عجل لهم بالشر الذي يتحدون باستعجاله , استعجالهم بالخير الذي يطلبونه . . لو استجاب الله لهم في استعجالهم كله لقضى عليهم , وعجل بأجلهم ! ولكنه يستبقيهم