باللّه . . وأما إن كانت هذه المعارف العلمية غير مصحوبة ببشاشة الإيمان ونوره , فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من الشقوة , حين تقودهم إلى مزيد من البعد عن الله ; والحرمان من بشاشة الإيمان ونوره ورفرفته وريّاه ! (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)!
وماذا تجدي الآيات والنذر إذا استغلقت القلوب , وتجمدت العقول , وتعطلت أجهزة الاستقبال والتلقي في الفطرة ; واحتجب الكائن الإنساني بجملته عن هذا الوجود , فلم يسمع إيقاعات حمده وتسبيحه ?!
"إن المنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية يجعل الكون والحياة معرضاً رائعاً تتجلى فيه هذه الحقيقة . . تتجلى فيه بآثارها الفاعلة , وتملأ بوجودها وحضورها جوانب الكينونة الإنسانية المدركة . . إن هذا المنهج لا يجعل "وجود الله" سبحانه قضية يجادل عنها . فالوجود الإلهي يفعم القلب البشري - من خلال الرؤية القرآنية والمشاهدة الواقعية على السواء - بحيث لا يبقى هنالك مجال للجدل حوله . إنما يتجه المنهج القرآني مباشرة إلى الحديث عن آثار هذا الوجود في الكون كله ; وإلى الحديث عن مقتضياته كذلك في الضمير البشري والحياة البشرية .
"والمنهج القرآني في اتباعه لهذه الخطة إنما يعتمد على حقيقة أساسية في التكوين البشري . فالله هو الذي خلق وهو أعلم بمن خلق: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه). . والفطرة البشرية بها حاجة ذاتية إلى التدين , وإلى الاعتقاد بإله . بل إنها حين تصح وتستقيم تجد في أعماقها اتجاهاً إلى إله واحد , وإحساساً قوياً بوجود هذا الإله الواحد . ووظيفة العقيدة الصحيحة ليست هي إنشاء هذا الشعور بالحاجة إلى إله والتوجه إليه , فهذا مركوز في الفطرة . ولكن وظيفتها هي تصحيح تصور الإنسان لإلهه , وتعريفه بالإله الحق الذي لا إله غيره . تعريفه بحقيقته وصفاته , لا تعريفه بوجوده وإثباته . ثم تعريفه بمقتضيات الألوهية في حياته - وهي الربوبية والقوامة والحاكمية - والشك في حقيقة الوجود الإلهي أو إنكاره هو بذاته دليل قاطع على اختلال بين في الكينونة البشرية , وعلى تعطل أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية فيها . وهذا التعطل لا يعالج - إذن - بالجدل . وليس هذا هو طريق العلاج !
"إن هذا الكون , كون مؤمن مسلم , يعرف بارئه ويخضع له , ويسبح بحمده كل شيء فيه وكل حي - عدا بعض الأناسي ! - و "الإنسان" يعيش في هذا الكون الذي تتجاوب جنباته بأصداء الإيمان والإسلام , وأصداء التسبيح والسجود . وذرات كيانه ذاته وخلاياه تشارك في هذه الأصداء ; وتخضع في حركتها الطبيعية الفطرية للنواميس التي قدرها الله . فالكائن الذي لا تستشعر فطرته هذه الأصداء كلها ; ولا تحس إيقاع النواميس الإلهية فيها هي ذاتها , ولا تلتقط أجهزته الفطرية تلك الموجات الكونية , كائن معطلة فيه أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . ومن ثم لا يكون هنالك سبيل إلى قلبه وعقله بالجدل , إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه , واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه , لعلها تتحرك , وتأخذ في العمل من جديد" .
ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السماوات والأرض , وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء القلب الإنساني ; لعله ينبض ويتحرك , ويتلقى ويستجيب .
ولكن أولئك المكذبين من الجاهليين العرب - وأمثالهم - لا يتدبرون ولا يستجيبون . . فماذا ينتظرون ?