وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها:
(وفرحوا بها). .
وفي هذا الرخاء الآمن , وفي هذا السرور الشامل , تقع المفاجأة , فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين:
(جاءتها ريح عاصف).
يا للهول !
(وجاءهم الموج من كل مكان). .
وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها , ولاطمها الموج وشالها وحطها , ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم . . وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص:
(وظنوا أنهم أحيط بهم). .
فلا مجال للنجاة . .
عندئذ فقط , وفي وسط هذا الهول المتلاطم , تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب , وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات , وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة لله دون سواه:
(دعوا الله مخلصين له الدين:لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)!
وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج , وتهدأ الأنفاس اللاهثة , وتسكن القلوب الطائرة , وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ , ويوقن الناس بالحياة , وأرجلهم مستقرة على اليابسة . فماذا ?
(فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق !). .
هكذا بغتة ومفاجأة !
إنه مشهد كامل , لم تفتنا منه حركة ولا خالجة . . مشهد حادث . ولكنه مشهد نفس , ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل . ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين:
(يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم). .
سواء كان بغيا على النفس خاصة , بإيرادها موارد التهلكة , والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية ; أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة . على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة .
والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية الله سبحانه , واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده .
والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدينا , قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة .
يذوقون هذه العاقبة فسادا في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به , ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضار به .
إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم لله . وإما أن يتعبدهم الطغاة . والكفاح لتقرير ألوهية الله وحدها في الأرض , وربوبية الله وحدها في حياة البشر , هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة , ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد , ودنس المستنقع , وامتهان الكرامة , وفساد المجتمع , ودناءة الحياة !