اليوم في كل بلاد الأرض , بما فيها البلاد التي يتسمى أهلها بأسماء المسلمين , ويؤدون الشعائر للّه , بينما أربابهم غير اللّه , لأن ربهم هو الذي يحكمهم بسلطانه وشريعته , وهو الذي يدينون له ويخضعون لأمره ونهيه , ويتبعون ما يشرعه لهم , وبذلك يعبدونه كما قال رسول الله [ ص ] " . . . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم " . [ في حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الترمذي ] . ولتوكيد معنى العبادة المقصود جاء في السورة ذاتها قوله تعالى:(قل:أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا . قل:آلله أذن لكم أم على الله تفترون ?). .
وما نحن فيه اليوم لا يفترق في شيء عما كان عليه أهل الجاهلية هؤلاء الذين يناديهم الله بقوله:
(ذلكم الله ربكم فاعبدوه . أفلا تذكرون !). .
اعبدوه ولا تشركوا به شيئا . فإن مرجعكم إليه , وحسابكم عنده , وهو يجزي المؤمنين والكافرين:
(إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا). .
إليه وحده لا للشركاء والشفعاء .
وقد وعد فلا خلف ولا تخلف , فالبعث هو تتمة الخلق:
(إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط , والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
فالعدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة:
(ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط . . .).
والنعيم بلا منغصات وبدون عقابيل تعقب اللذة غاية من غايات الخلق والإعادة . إنها قمة الكمال البشري الذي يمكن أن تصل إليه البشرية . والبشرية لا تصل إلى شيء من هذا في هذه الأرض وفي هذه الحياة الدنيا المشوبة بالقلق والكدر , والتي لا تخلو فيها لذة من غصة , أو من عقابيل تعقبها - إلا لذائذ الروح الخالصة وهذه قلما تخلص لبشر - ولو لم يكن في هذه الحياة الدنيا إلا الشعور بنهاية نعيمها لكان هذا وحده ناقصا منها وحائلا دون كمالها . فالبشرية لا تصل في هذه الأرض إلى أعلى الدرجات المقدرة لها , وهي التخلص من النقص والضعف ومعقباتهما , والاستمتاع بلا كدر ولا خوف من الفوت ولا قلق من الانتهاء . . وهذا كله تبلغه في الجنة كما وصف القرآن نعيمها الكامل الشامل . فلا جرم يكون من غاية الخلق والإعادة إبلاغ المهتدين من البشرية , الذين اتبعوا سنة الحياة الصحيحة وناموس الحياة القويم , إلى أعلى مراتب البشرية .
فأما الذين كفروا فقد خالفوا عن الناموس , فلم يسيروا في طريق الكمال البشري , بل جانبوه . وهذا يقتضي - حسب السنة التي لا تتخلف - ألا يصلوا إلى مرتبة الكمال , لأنهم جانبوا قانون الكمال ; وأن يلقوا عاقبة انحرافهم كما يلقى المريض عاقبة انحرافه عن قوانين الصحة الجسدية . هذا يلقاه مرضا وضعفا , وأولئك يلقونه ترديا وانتكاسا , وغصصا بلا لذائذ - في مقابل اللذائذ بلا غصص .
(والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
وبعد هذه اللفتة من آيات الله في خلق السماوات والأرض إلى عبادة الله وحده , الذي إليه المرجع وعنده