(كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون). .
لا لأنه يمنعهم من الإيمان . فهذه دلائله قائمة في الكون , وهذه مقدماته قائمة في اعتقادهم . ولكن لأنهم هم يحيدون عن طريق الموصل إلى الإيمان , ويجحدون المقدمات التي في أيديهم , ويصرفون أنفسهم عن الدلائل المشهودة لهم , ويعطلون منطق الفطرة القويم فيهم .
ثم عودة إلى مظاهر قدرة الله , وهل للشركاء فيها من نصيب .
(قل:هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ? قل:الله يبدأ الخلق ثم يعيده . فأنى تؤفكون ? قل:هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ? قل:الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ? فما لكم ? كيف تحكمون ?). .
وهذه الأمور المسؤول عنها - من إعادة الخلق وهدايتهم إلى الحق - ليست من بدائه مشاهداتهم ولا من مسلمات اعتقاداتهم كالأولى . ولكنه يوجه إليهم فيها السؤال ارتكانا على مسلماتهم الأولى , فهي من مقتضياتها بشيء من التفكر والتدبر . ثم لا يطلب إليهم الجواب , إنما يقرره لهم اعتمادا على وضوح النتائج بعد تسليمهم بالمقدمات .
(قل:هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ?). .
وهم مسلمون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته , ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء . . ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق ; ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض , ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم , ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم , وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه . إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم . وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة الخالق وتدبيره وعدله ورحمته . ولا بد من تقرير هذه الحقيقة لهم وهم الذين يعتقدون بأن الله هو الخالق , وهم الذين يسلمون كذلك بأنه يخرج الحي من الميت . والحياة الأخرى قريبة الشبه بإخراج الحي من الميت الذي يسلمون به:
(قل:الله يبدأ الخلق ثم يعيده). .
وإنه لعجيب أن يصرفوا عن إدراك هذه الحقيقة ولديهم مقدماتها:
(فأنى تؤفكون). .
فتوجهون بعيدا عن الحق إلى الإفك وتضلون ?
(قل:هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ?). .
فينزل كتاباً , ويرسل رسولاً , ويضع نظاماً , ويشرع شريعة , وينذر ويوجه إلى الخير ; ويكشف عن آيات الله في الكون والنفس ; ويوقظ القلوب الغافلة , ويحرك المدارك المعطلة . كما هو معهود لكم من الله ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق ? وهذه قضية ليست من سابق مسلماتهم , ولكن وقائعها حاضرة بين أيديهم . فليقررها لهم الرسول [ ص ] وليأخذهم بها:
(قل:الله يهدي للحق). .
ومن هذه تنشأ قضية جديدة , جوابها مقرر:
(أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ? أم من لا يهدي إلا أن يهدى ?). .
والجواب مقرر . فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالاتباع , ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره . .