وهذا ينطبق سواء كان المعبودون حجارة أو أشجاراً أو كواكب . أو كانوا من البشر - بما في ذلك عيسى عليه السلام , فهو ببشريته محتاج إلى هداية اللّه له , وإن كان هو قد بعث هاديا للناس - ومن عدا عيسى عليه السلام أولى بانطباق هذه الحقيقة عليه:(فما لكم ? كيف تحكمون ?). .
ما الذي وقع لكم وما الذي أصابكم ? وكيف تقدرون الأمور , فتحيدون عن الحق الواضح المبين ?
فإذا فرغ من سؤالهم وإجابتهم , وتقرير الإجابة المفروضة التي تحتمها البديهة وتحتمها المقدمات المسلمة . . عقب على هذا بتقرير واقعهم في النظر والاستدلال والحكم والاعتقاد . فهم لا يستندون إلى يقين فيما يعتقدون أو يعبدون أو يحكمون , ولا إلى حقائق مدروسة يطمئن إليها العقل والفطرة , إنما يتعلقون بأوهام وظنون , يعيشون عليها ويعيشون بها ; وهي لا تغني من الحق شيئا .
(وما يتبع أكثرهم إلا ظنا . إن الظن لا يغني من الحق شيئا . إن الله عليم بما يفعلون . .).
فهم يظنون أن لله شركاء . ولا يحققون هذا الظن ولا يمتحنونه عملا ولا عقلا . وهم يظنون أن آباءهم ما كانوا ليعبدوا هذه الأصنام لو لم يكن فيها ما يستحق العبادة:ولا يمتحنون هم هذه الخرافة , ولا يطلقون عقولهم من إسار التقليد الظني . وهم يظنون أن الله لا يوحي إلى رجل منهم , ولا يحققون لماذا يمتنع هذا على الله . وهم يظنون أن القرآن من عمل محمد ولا يحققون إن كان محمد - وهو بشر - قادرا على تأليف هذا القرآن , بينما هم لا يقدرون وهم بشر مثله . . وهكذا يعيشون في مجموعة من الظنون لا تحقق لهم من الحق شيئا . والله وحده هو الذي يعلم علم اليقين أفعالهم وأعمالهم . .
(إن الله عليم بما يفعلون). .
الدرس الثالث:37 - 44 تقرير حقيقة مصدر القرآن وذم الكافرين له
وتفريعاً على هذا التعقيب , يأخذ بهم السياق في جولة جديدة حول القرآن تبدأ بنفي التصور لإمكان أن يكون القرآن مفترى من دون الله , وتحديهم أن يأتوا بسورة مثله . وتثني بوصمهم بالتسرع في الحكم على ما لم يعلموه يقينا أو يحققوه . وتثلث بإثبات حالتهم في مواجهة هذا القرآن , وتثبيت الرسول [ ص ] على خطته أيا كانت استجابتهم أو عدم استجابتهم له , وتنتهي بالتيئيس من الفريق الضال والإيماء إلى مصيرهم الذي لا يظلمهم الله فيه ; وإنما يستحقونه بما هم فيه من ضلال:
وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ; ولكن تصديق الذي بين يديه , وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون:افتراه ? قل:فأتوا بسورة مثله , وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله . كذلك كذب الذين من قبلهم , فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به , وربك أعلم بالمفسدين . وإن كذبوك فقل:لي عملي ولكم عملكم , أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون . ومنهم من يستمعون إليك , أفانت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ? ومنهم من ينظر إليك , أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ? إن الله لا يظلم الناس شيئا . ولكن الناس أنفسهم يظلمون . .
(وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله). .
فهو بخصائصه , الموضوعية والتعبيرية . بهذا الكمال في تناسقه ; وبهذا الكمال في العقيدة التي جاء بها ,