ما يقع . . . هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون ? وهذه الشعوب المتناحرة , والدول المتخاصمة - لا تتخاصم على حق عام , ولا على منهج سليم , إنما تتعارك على الحطام والأعراض - هذه . هل عرف بعضها بعضاً ? وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام .
إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا . ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة . . ثم يرحلون !
وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة , وكذبوا بلقاء الله , وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة - بل تلك الومضة - فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم ; ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية:
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله , وما كانوا مهتدين). .
الدرس الخامس:46 - 54 تهديد الكفار وبيان عجزهم وخسارتهم ومواساة الرسول عليه السلام
ومن هذا المشهد الخاطف ليوم الحشر , وما سبقه من أيام الحياة في الأرض إلى حديث مع الرسول - [ ص ] - في شأن وعيد الله للمكذبين ; ذلك الوعيد الغامض , لا يدرون إن كان سيعاجلهم غداً , أم إنهم سينظرون إلى يوم الدين , ليبقى مصلتاً فوق رؤوسهم لعلهم يتقون ويهتدون . . وشيئاً فشيئاً تنتهي الجولة التي بدأت بالحديث عن الوعيد إلى نهايتها يوم لا ينفع الفداء ولو كان ما في الأرض كله , ويوم يقضي الله بالقسط لا يظلم أحداً . . وذلك على طريقة القرآن في وصل الدنيا بالآخرة , في كلمات ولحظات , في تصوير حي يلمس القلوب , ويصور في الوقت ذاته حقيقة الاتصال بين الدارين والحياتين كما هما في الواقع , وكما ينبغي أن يكونا في التصور الإسلامي الصحيح:
وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم , ثم الله شهيد على ما يفعلون . ولكل أمة رسول , فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون . ويقولون:متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? قل:لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله , لكل أمة أجل , إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . قل أرأيتم:إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون . أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ? ثم قيل للذين ظلموا:ذوقوا عذاب الخلد , هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون . ويستنبئونك أحق هو ? قل:إي وربي إنه لحق , وما أنتم بمعجزين . ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به , وأسروا الندامة لما رأوا العذاب , وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون .
تبدأ هذه الجولة بتقرير أن مرجع القوم إلى الله , سواء وقع بعض الوعيد الذي كلف الرسول [ ص ] أن يبلغه لهم , في حياته أو بعد وفاته . فالمرجع إلى الله في الحالين . وهو شهيد على ما يفعلون في حضور الرسول بالحياة , وفي غيبته بالوفاة . فلن يضيع شيء من أعمالهم ولن تعفيهم وفاة الرسول [ ص ] مما يوعدون .
(وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم , ثم الله شهيد على ما يفعلون). . فالأمور مدبرة سائرة حسب التدبير , لا يخرم منها حرف , ولا يتغير بالطوارئ والظروف . ولكن كل قوم يُنظرون حتى يجيء رسولهم , فينذرهم ويبين لهم , وبذلك يستوفون حقهم الذي فرضه الله على نفسه بألا يعذب قوما إلا بعد الرسالة , وبعد الإعذار لهم بالتبيين . وعندئذ يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم للرسول: