للمطالع والمغارب , فيقف في الشروق وفي الغروب وقفة الإنسان الجديد في هذا الكون , يتطلع إلى كل ظاهرة جديدة فيه بعين مفتوحة وحس مستجيب . وهي هي اللحظات التي يحياها الإنسان حياة كاملة حقيقية , وينفض فيها التيبس الذي خلفته الألفة في أجهزة الاستقبال والاستجابة . . (وما خلق الله في السماوات والأرض). .
ولو وقف الإنسان لحظة واحدة يرقب (ما خلق الله في السماوات والأرض)ويستعرض هذا الحشد الذي لا يحصى من الأنواع والأجناس , والهيئات والأحوال , والأوضاع والأشكال . لو وقف لحظة واحدة لامتلأ وطابه وفاض بما يغنيه حياته كلها , ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش . . ودع خلق السماوات والأرض وإنشاءهما وتكوينهما على هذا النحو العجيب , فذلك ما يوجه إليه القلب بالإشارة السريعة , ثم يتركه ليتملاه . . إن في ذلك كله:
(لآيات لقوم يتقون). .
تستشعر قلوبهم هذا الوجدان الخاص . وجدان التقوى . الذي يدع هذه القلوب مستجاشة حساسة , سريعة التأثر والاستجابة لمجالي القدرة ومظاهر الإبداع ومعجزات الخلق المعروضة للأنظار والأسماع .
هذا هو منهج القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية بآيات الله الكونية , المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون ; والتي يعلم الله سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومة , وإيحاءات مسموعة !
ولم يلجأ المنهج القرآني إلى الأسلوب الجدلي الذي جد فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة ; لأن الله يعلم أن هذا الأسلوب لا يصل إلى القلوب ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة التي لا تدفع إلى حركة ; ولا تؤدي إلى بناء حياة ; وقصارى ما تنتهي إليه حركة في الذهن البارد تتلاشى في الهواء !
ولكن الأدلة التي يقدمها المنهج القرآني - بأسلوبه هذا - هي أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعا - وهذه ميزتها - فإن وجود هذا الكون ذاته أولا . ثم حركته المنتظمة المتسقة المضبوطة ; وما يقع فيه من تحولات وتغيرات تضبطها قوانين واضحة الأثر - حتى قبل أن يعرفها البشر - ثانيا . . إن هذا كله لا يمكن تفسيره بغير تصور قوة مدبرة . .
والذين يمارون في هذه الحقيقة لا يقدمون في مكانها دليلا معقولا . ولا يزيدون على أن يقولوا:إن الكون وجد هكذا بقوانينه ; وأن وجوده لا يحتاج إلى تعليل ; ووجوده يتضمن قوانينه ! فإن كان هذا كلاما مفهوما - أو معقولا - فذاك !
ولقد كان هذا الكلام يقال للهروب من الله في أوربا ; لأن الهروب من الكنيسة اقتضاهم هنالك الهروب من الله ! ثم أصبح يقال هنا وهناك , لأنه الوسيلة إلى التخلص من مقتضى الاعتراف بألوهية الله . ذلك أن مشركي الجاهليات القديمة كان معظمهم يعترف بوجود الله . ثم يماري في ربوبيته , على نحو ما رأينا في الجاهلية العربية التي واجهها هذا القرآن أول مرة . فلقد كان البرهان القرآني يحاصرهم بمنطقهم هم وعقيدتهم في وجود الله سبحانه وصفاته . ويطالبهم بمقتضى هذا المنطق ذاته أن يجعلوا الله وحده ربهم ; فيدينوا له وحده بالاتباع والطاعة في الشعائر والشرائع . . فأما جاهلية القرن العشرين فتريد أن تخلص من ثقل هذا المنطق بالهروب من الألوهية ذاتها ابتداء !