ومن العجيب أنه في البلاد التي تسمى "إسلامية " يروج بكل وسيلة ظاهرة أو خفية لهذا الهروب الفاضح باسم "العلم" و "العلمية " ! فيقال:إن "الغيبية " لا مكان لها في الأنظمة "العلمية " . . ومن الغيب كل ما يتعلق بالألوهية . . ! ومن هذا المنفذ الخلفي يحاول الآبقون من الله الهروب . لا يخشون الله إنما يخشون الناس , فيحتالون عليهم هذا الاحتيال !
وما تزال دلالة وجود الكون ذاته , ثم حركته المنتظمة المتسقة المضبوطة . تحاصر الهاربين من الله هنا وهناك . والفطرة البشرية بجملتها - قلبا وعقلا وحسا ووجدانا - تواجه هذه الدلالة , وتستجيب لها . وما يزال المنهج القرآني هذا يخاطب الفطرة بجملتها . يخاطبها من أقصر طريق , ومن أوسع طريق وأعمق طريق !!!
الدرس الثالث:7 - 10 بين المؤمنين بالآخرة والمنكرين بها
والذين يرون كل هذا , ثم لا يتوقعون لقاء الله ; ولا يدركون أن من مقتضيات هذا النظام المحكم أن تكون هناك آخرة , وأن الدنيا ليست النهاية , لأن البشرية لم تبلغ فيها كمالها المنشود ; والذين يمرون بهذه الآيات كلها غافلين , لا تحرك فيهم قلبا يتدبر , ولا عقلا يتفكر . . هؤلاء لن يسلكوا طريق الكمال البشري , ولن يصلوا إلى الجنة التي وعد المتقون . إنما الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات , حيث يفرغون من نصب الدنيا وصغارها إلى تسبيح الله وحمده في رضاء مقيم:
(إن الذين لا يرجون لقاءنا , ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها , والذين هم عن آياتنا غافلون , أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ; تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم . دعواهم فيها سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). .
إن الذين لا يتدبرون النظام الكوني الموحي بأن لهذا الكون خالقا مدبرا , لا يدركون أن الآخرة ضرورة من ضرورات هذا النظام , يتم فيها تحقيق القسط والعدل ; كما يتم فيها إبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا . ومن ثم فهم لا يتوقعون لقاء الله , ونتيجة لهذا القصور يقفون عند الحياة الدنيا , بما فيها من نقص وهبوط , ويرضونها ويستغرقون فيها , فلا ينكرون فيها نقصا , ولا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية للبشر ; وهم يغادرونها لم يستوفوا كل جزائهم على ما عملوا من خير أو اجترحوا من شر , ولم يبلغوا الكمال الذي تهيئهم له بشريتهم . والوقوف عند حدود الدنيا وارتضاؤها يظل يهبط بأصحابه ثم يهبط , لأنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى قمة , ولا يتطلعون بأبصارهم إلى أفق . إنما يخفضون رؤوسهم وأبصارهم دائما إلى هذه الأرض وما عليها ! غافلين عن آيات الله الكونية التي توقظ القلب , وترفع الحس , وتحفز إلى التطلع والكمال . .
(أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون). .
وبئس المأوى وبئس المصير !
وفي الضفة الأخرى الذين آمنوا وعملوا الصالحات . الذين آمنوا فأدركوا أن هناك ما هو أعلى من هذه الحياة الدنيا , وعملوا الصالحات بمقتضى هذا الإيمان , تحقيقا لأمر الله بعمل الصالحات , وانتظارا للآخرة الطيبة . . وطريقها هو الصالحات . . هؤلاء .
(يهديهم ربهم بإيمانهم). .
يهديهم إلى الصالحات بسبب هذا الإيمان الذي يصل ما بينهم وبين الله , ويفتح بصائرهم على استقامة