ومن ثم توجهوا إلى اللّه بالدعاء:
(ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين). .
والدعاء بألا يجعلهم اللّه فتنة للقوم الظالمين مقصود به ألا يمكن القوم الظالمين منهم , فيظن القوم أن تمكنهم من المؤمنين باللّه دليل على أن عقيدتهم هم أصح ولذلك انتصروا وهزم المؤمنون ! ويكون هذا استدراجاً لهم من اللّه وفتنة ليلجوا في ضلالهم . فالمؤمنون يدعون اللّه أن يعصمهم من تسلط الظالمين عليهم ولو لاستدراج الظالمين . والآية الثانية أصرح في النتيجة المطلوبة:
(ونجنا برحمتك من القوم الكافرين). .
ودعاؤهم اللّه ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين , وأن ينجيهم برحمته من القوم الكافرين , لا ينافي الاتكال على اللّه والتقوي به . بل هو أدل على التوجه بالاتكال والاعتماد إلى اللّه . والمؤمن لا يتمنى البلاء , ولكن يثبت عند اللقاء .
وعقب هذا التميز , وفي فترة الانتظار بعد الجولة الأولى , وإيمان من آمن بموسى , أوحى اللّه إليه وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتاً خاصة بهم , وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعداداً للرحيل من مصر في الوقت المختار ; وكلفهم تطهير بيوتهم , وتزكية نفوسهم , والاستبشار بنصر اللّه:
(وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً , واجعلوا بيوتكم قبلة , وأقيموا الصلاة , وبشر المؤمنين). .
وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية . وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات , وبخاصة قبيل المعارك والمشقات . ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية , ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة , تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة , وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة .
وهذه التجربة التي يعرضها اللّه على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة , ليست خاصة ببني إسرائيل , فهي تجربة إيمانية خالصة . وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي , وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت , وفسد الناس , وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم اللّه إلى أمور:
اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها , لتطهرها وتزكيها , وتدربها وتنظمها , حتى يأتي وعد اللّه لها .
اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد . تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي ; وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح ; وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور .
الدرس السادس:88- 89 موسى يدعو على آل فرعون
واتجه موسى - عليه السلام - إلى ربه , وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير , وأن تكون قد بقيت فيهم بقية , وأن يرجى لهم صلاح . اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه , الذين يملكون المال والزينة , تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين , فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال , وإلى الضلال . . اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال , وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان . فاستجاب اللّه الدعاء: