لا يضطرب ولا يتزعزع اضطراب الكذب وتزعزع الافتراء . ولقد طاب المقام فترة لبني إسرائيل بعد تجارب طويلة , لا يذكرها السياق هنا لأنها ليست من مقاصده , وتمتعوا بطيبات من الرزق حلال , حتى فسقوا عن أمر اللّه فحرمت عليهم . والسياق لا يذكر هنا إلا اختلافهم بعد وفاق . اختلافهم في دينهم ودنياهم , لا على جهل ولكن بعد أن جاءهم العلم , وبسبب هذا العلم , واستخدامه في التأويلات الباطلة . ولما كان المقام هنا مقام نصرة الإيمان وخذلان الطغيان , فإن السياق لا يطيل في عرض ما وقع بعد ذلك من بني إسرائيل , ولا يفصل خلافهم بعد ما جاءهم العلم . ولكن يطوي هذه الصفحة , ويكلها بما فيها للّه في يوم القيامة:
(إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). .
فيبقى للقصة جلالها , ويظل للمشهد الأخير تأثيره . .
وهكذا ندرك لماذا يساق القصص القرآني , وكيف يساق في كل موضع من مواضعه . فليس هو مجرد حكايات تروى , ولكنه لمسات وإيحاءات مقدرة تقديراً .
الدرس التاسع:94 - 103 قصة قوم يونس والمشيئة في الهدى والضلال
بعد ذلك يجيء التعقيب على هذه الخاتمة لقصة موسى وقصة نوح من قبلها , يبدأ خطاباً إلى الرسول - [ ص ] - تثبيتاً بما حدث للرسل قبله , وبياناً لعلة تكذيب قومه له , أن ليس ما ينقصهم هو الآيات والبينات , إنما هي سنة اللّه في المكذبين من قبلهم , وسنة اللّه في خلق الإنسان باستعداداته للخير والشر والهدى والضلال . . وفي الطريق يلم إلمامة سريعة بقصة يونس وإيمان قومه به بعد أن كاد العذاب ينزل بهم , فرد عنهم . لعل فيها حافزاً للمكذبين قبل فوات الأوان . . وينتهي بالخلاصة المستفادة من ذلك القصص كله . أن سنة اللّه التي مضت في الأولين ماضية في الآخرين:عذاب وهلاك للمكذبين . ونجاة وخلاص للرسل ومن معهم من المؤمنين . حقاً كتبه اللّه على نفسه . وجعله سنة ماضية لا تتخلف ولا تحيد:
فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك . لقد جاءك الحق من ربك , فلا تكونن من الممترين . ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات اللّه فتكون من الخاسرين . إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون , ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم . فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها , إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا , ومتعناهم إلى حين . ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً . أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ! وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن اللّه , ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون . قل:انظروا ماذا في السموات والأرض , وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون , فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ? قل:فانتظروا إني معكم من المنتظرين . ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا , كذلك حقا علينا ننج المؤمنين . .
لقد كان آخر الحديث عن بني إسرائيل , وهم من أهل الكتاب , وهم يعرفون قصة نوح مع قومه وقصة موسى مع فرعون , يقرأونها في كتابهم . فهنا يتوجه الخطاب إلى الرسول - [ ص ] - إن كان في شك مما أنزل إليه , من هذا القصص أو غيره , فليسأل الذين يقرأون الكتاب من قبله . فلديهم عنه علم , مما يقرأون:
فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك . لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين .