ولكن الرسول - [ ص ] - لم يكن في شك مما أنزل اللّه إليه . أو كما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - " لا أشك ولا أسأل " . ففيم إذن هذا القول له أن يسأل إن كان في شك . والتعقيب عليه: (لقد جاءك الحق من ربك)وفي هذا ما يكفيه لليقين ?
ولكن هذا التوجيه يشي بما كان وراءه من شدة الموقف وتأزمه في مكة بعد حادث الإسراء , وقد ارتد بعض من أسلموا لعدم تصديقه . وبعد موت خديجة وأبي طالب , واشتداد الأذى على رسول اللّه [ ص ] ومن معه ; وبعد تجمد الدعوة تقريباً في مكة بسبب موقف قريش العنيد . . وكل هذه ملابسات تلقي ظلالها على قلب رسول اللّه - [ ص ] - فيسري عنه ربه بهذا التوكيد , بعد ذلك القصص الموحى . .
ثم إنه تعريض بالشاكين الممترين المكذبين:
(ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات اللّه فتكون من الخاسرين).
وهذا التعريض يترك الفرصة لمن يريد منهم أن يرجع ليرجع ; لأنه إذا كان الرسول - [ ص ] - مأذوناً في أن يسأل إن كان في شك , ثم هو لا يسأل ولا يشك , فهو إذن على يقين مما جاء به أنه الحق . وفي هذا إيحاء للآخرين ألا يترددوا , وألا يكونوا (من الممترين). .
ثم إنه المنهج الذي يضعه اللّه لهذه الأمة فيما لا تستوثق منه . . أن تسأل أهل الذكر . . ولو كان من أخص خصائص العقيدة ; لأن المسلم مكلف أن يستيقن من عقيدته وشريعته , وألا يعتمد على التقليد دون تثبت ويقين .
ثم أيكون هنالك تعارض بين إباحة هذا السؤال عند الشك وبين قوله: (فلا تكونن من الممترين)? . . ليس هنالك تعارض لأن المنهي عنه هو الشك والبقاء على الشك بحيث يصبح صفة دائمة . . . . " من الممترين" . . ولا يتحرك صاحبها للوصول إلى يقين . وهي حالة رديئة لا تنتهي إلى معرفة , ولا تحفز إلى استفادة , ولا تئول إلى يقين .
وبعد فإذا كان ما جاء إلى الرسول هو الحق الذي لا مرية فيه , فما تعليل إصرار قوم على التكذيب ولجاجهم فيه ? تعليله أن كلمة اللّه وسنته قد اقتضت أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدي , ومن لا يفتح بصيرته على النور لا يراه , ومن يعطل مداركه لا ينتفع بوظيفتها , فتكون نهايته إلى الضلال , مهما تكن الآيات والبينات , لأنه لا يفيد شيئاً من الآيات والبينات . وعندئذ تكون كلمة اللّه وسنته قد حقت عليهم وتحققت فيهم:
(إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون , ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). .
فلا ينفعهم الإيمان حينئذ لأنه لم يجيء عن اختيار . ولم تعد هنالك فرصة لتحقيق مدلوله في الحياة . ومنذ هنيهة كان أمامنا مشهد يصدق هذا . مشهد فرعون حين أدركه الغرق يقول: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين . . فيقال له:(آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ?!).
وعند هذا الموقف الذي تظهر فيه حتمية سنن اللّه العامة , وانتهاؤها إلى نهايتها المرسومة , متى تعرض الإنسان لها باختياره , تفتح نافذة مضيئة بآخر شعاع من أشعة الأمل في النجاة . ذلك أن يعود المكذبون عن تكذيبهم قبيل وقوع العذاب:
(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانهاً ! إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا , ومتعناهم إلى حين). .
وهو تحضيض ينسحب على الماضي , فيفيد أن مدلوله لم يقع . . (فلولا كانت قرية آمنت)من هذه القرى