وفق سنته الماضية التي بيناها . فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه . لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه , فهذا ليس المقصود بالنص . بل المقصود انها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذن الله وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة . وعندئذ يهديها الله ويقع لها الإيمان بإذنه . فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به . إنما الناس يسيرون في الطريق . فيقدر الله لهم عاقبة الطريق , ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في الله ليهتدوا . . ويدل على هذا عقب الآية:
(ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون). .
فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر , يجعل الرجس عليهم . والرجس أبشع الدنس الروحي , فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر , وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران .
ويزيد الأمر إيضاحاً بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون ; لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض:
(قل:انظروا ماذا في السماوات والأرض . وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). .
وسواء كان عقب الآية استفهاماً أو تقريراً . فمؤداه واحد . فإن ما في السماوات والأرض حافل بالآيات ; ولكن الآيات والنذر لا تفيد الذين لا يؤمنون , لأنهم من قبل لم يلقوا بالا إليها , ولم يتدبروها . .
وقبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى:
(قل:انظروا ماذا في السماوات والأرض . وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). .
إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة , لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل . ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مراراً , هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية ! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير !
والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض , ويستلهم هذا الكون ; ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل . . وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه ; ودون أن يجعل من هذا الكون إلهاً يؤثر في الإنسان أثر الله ! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون , ويسمون ذلك التجديف مذهبا "علميا" يقيمون عليه نظاماً اجتماعياً يسمونه:"الاشتراكية العلمية " والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء !
والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات ; وزاد من الاستجابات والتأثرات ; وزاد من سعة الشعور بالوجود ; وزاد من التعاطف مع هذا الوجود . . وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود الله , وبجلال الله , وبتدبير الله , وبسلطان الله , وبحكمة الله , وعلم الله . . .
ويمضي الزمن , وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون , فإن كان هذا الإنسان مهتدياً بنور الله إلى جوار هذه المعارف العلمية , زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون , والأنس به , والتعرف عليه , والتجاوب معه , والاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده , ولكن لا تفقهون تسبيحهم). . ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله إلا الموصول قلبه