أين أنت في عشر ذي الحجة (2-2)
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد
وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
حكم صلاة النوافل عموما في غير رمضان في جماعة ليلاً أو نهارا ، في المساجد أو في غيرها:
الأصل في النوافل أن يصليها العبد منفرداً ، وأن يصليها أو يصلي أكثرها في البيت ، وقد كان هذا أكثرَ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن لا مانع شرعاً عند جمهور العلماء أن يصليها في جماعة ، مثلما يحدث في قيام رمضان ، وقد أخرج الشيخان قصة مبيت ابن عباس رضي الله عنه عند خالته ميمونة رضي الله عنها ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ، وقد كان ذلك تطوعاً ، كما جاء صريحاً في رواية عند مسلم عن عَطَاءö بْنö أَبöي رَبَاحٍ ، عَنö ابْنö عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ : بöتُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ عöنْدَ خَالَتöي مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلّöي مُتَطَوّöعًا مöنَ اللَّيْلö ، فَقَامَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلمإöلَى الْقöرْبَةö فَتَوَضَّأَ ، فَقَامَ فَصَلَّى ، فَقُمْتُ لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلöكَ فَتَوَضَّأْتُ مöنَ الْقöرْبَةö ، ثُمَّ قُمْتُ إöلَى شöقّöهö الأَيْسَرö ، فَأَخَذَ بöيَدöي مöنْ وَرَاءö ظَهْرöهö يَعْدöلُنöي كَذَلöكَ مöنْ وَرَاءö ظَهْرöهö إöلَى الشّöقّö الأَيْمَنö . قُلْتُ : أَفöي التَّطَوُّعö كَانَ ذَلöكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ.
وفي الموطأ سئل الإمام مالك عن الرجل يؤم الرجل في النافلة؟ فقال : ما أرى بذلك بأسا .
وقال مالك : لا بأس أن يصلى القوم جماعة النافلة في نهار أو ليل . قال : وكذلك الرجل يجمع الصلاة النافلة بأهل بيته وغيرهم لا بأس بذلك.
وخالف في ذلك أصحاب الرأي ، فكرهوا أن يصلي الناس التطوع في جماعة في غير رمضان ، وصلاة الكسوف .
وهذا الحديث المذكور حجة عليهم ، ففيه التصريح بأن صلاة ابن عباس رضي الله عنهخلف النبيصلى الله عليه وسلم كانت تطوعاً ، وهناك أحاديث أخرى في ذلك ، منها حديث أَنَسö بْنö مَالöكٍ tعند الشيخين أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَت ْرَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلملöطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ ، فَأَكَلَ مöنْهُ ، ثُمَّ قَالَ :«قُومُوا فَلöأُصَلّö لَكُمْ »قَالَ أَنَسñ : فَقُمْتُ إöلَى حَصöيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مöنْ طُولö مَا لُبöسَ فَنَضَحْتُهُ بöمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم، وَصَفَفْتُ وَالْيَتöيمَ وَرَاءَهُ ، وَالْعَجُوزُ مöنْ وَرَائöنَا ، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنö ثُمَّ انْصَرَفَ.
ولا ريب أن ذلك كان في نافلة º إذ الفريضة كان النبيصلى الله عليه وسلم يصليها جماعة في المسجد. ويدل على أنه لم يكن يصلي بهم المكتوبة ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : دَخَلَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا ، وَمَا هُوَ إöلَّا أَنَا ، وَأُمّöي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتöي ، فَقَالَ : «قُومُوا فَلöأُصَلّöيَ بöكُمْ»فöي غَيْرö وَقْتö صَلَاةٍ ، فَصَلَّى بöنَا...الحديث.
والصحيح رأي جمهور العلماء ، وقد فعله كثير من الصحابة رضي الله عنه ، منهم عمر وابن مسعود وابن الزبير وغيرهم :
فقد أخرج مالك عن عبد الله بن عتبة قال : دخلت على عمر بن الخطاب t وهو يصلي في الهاجرة (وهي نصف النهار قبل الظهر أو بعده) تطوعاً - في رواية : فوجدته يسبح (أي يصلي نافلة) - فأقامني حذوه عن يمينه ، فلم يزل كذلك حتى دخل يَرْفَأ مولاه فتأخرتُ ، فصففنا خلف عمرt.
وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودt قال : دخلت مع أبي المسجد، والناس صفوف في صلاة الصبح، فخنَس دونهم فأقامني عن يمينه ، فصلى ركعتين ، ثم لحق بالصف .
وعن هشام بن عروة قال : رأيت عبد الله بن الزبيررضي الله عنه يؤمهم في المسجد الحرام بالنوافل ، ووراءه شيوخ من أهل الفقه والصلاح ، يرون أن ذلك حسن .
قال هشام : إن الإمام كان يؤمهم في المكتوبة ، ثم يدخل الدار فيسبح (أي يتنفل) ويسبحون بصلاته ، وهو يؤمهم.
فهذه الأحاديث والآثار كلها وغيرها دالة على مشروعية صلاة النوافل في جماعة في غير رمضان ، وبخاصة في مثل هذه الأيام المباركة التي يضاعف فيها الأجر ، ويغفل عنها كثير من الناس .
ولا بأس بالاعتكاف بعض هذه الأيام في المسجد ، أو حتى اعتكاف بعض الساعات ، فقد أخرج عبد الرزاق عن يعلى بن أمية قال : «إني لأمكث في المسجد الساعة ، وما أمكث إلا لأعتكف» .
وأخرج عن عطاء قال : «هو اعتكاف ما مكث فيه ، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف ، وإلا فلا» .
فمن تيسر له فضاء بعض الوقت أو الجلوس بضع ساعات في المسجد فليستحضر نية الاعتكاف ، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه .
(6) أين أنت من القرآن في أيام العشر ؟
القرآن كلمة الله الخالدة، ليس مجرد مجموعة من الحروف والكلمات، ولكن وراء كل حرف روحا تحيي القلوب الميتة، وتطمئن النفوس القلقة المضطربة.
فهلموا إلى مائدة الله. أرأيتم لو أن أحد الملوك صنع مائدة، ودعا الناس إليها، ولم يمنع منها أحدا، ألا يكون المتخلف عنها عظيم الخسارة؟! الذي يُسمح له أن يجلس على موائد الملوك، ثم يأبى إلا أن يعيش بين الصعاليك، أيعدّ من العقلاء ؟!
هذا ربك قد بسط لك مائدته، وأنت حين تقرأ القرآن فإنك تلتمس روحا وتغذي قلبك إيمانا ويقينا. إن كنت قلقا فتحت كتاب الله فإذا به يناديك ]أَلاَبöذöكْرö اللَّهö تَطْمَئöنُّ القُلُوبُ[ (الرعد: 28)، إن ضاقت بك الحال واشتد عليك الأمر ويئست من الفلاح فتحت كتاب الله فنادي عليك ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمöنöينَ[ (الروم:47)، ووجهك إلى ]إöنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مöن رَّوْحö اللَّهö إöلاَّ القَوْمُ الكَافöرُونَ[ (يوسف: 87).
إن كنت عصبيّ المزاج، لا تعرف كيف تضبط أعصابك، وفتحت القرآن، وجدته يناجيك ]خُذö العَفْوَوَأْمُرْ بöالْعُرْفöوَأَعْرöضْ عَنö الجَاهöلöينَ[ (الأعراف: 199).
إن كنت مذنبا، فتحت القرآن فيناديك الحق ]فَمَن تَابَ مöنْ بَعْدö ظُلْمöهöوَأَصْلَحَ فَإöنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهö إöنَّ اللَّهَ غَفُورñ رَّحöيمñ[ (المائدة: 39).
ماذا أُعدّد لك؟.
هذا القرآن ربى جيلا لم تر الدنيا مثله، في أخلاقهم ، في سموهم ، في عقولهم في عطائهم. فهل نغتنم أيام النفحات المباركة لنغذي أرواحنا وقلوبنا من مائدة القرآن المباركة ؟
(7) أين أنت في أيام العشر من الصدقة ؟
كان الحبيب صلى الله عليه وسلم أجود الناس، ما في ذلك شك، لا يلحقه في ذلك أحد، لكنه في الأوقات الفاضلة كان يتجاوز حدود الجود المعهود عنه صلى الله عليه وسلم إلى آفاق لا يحيط بها البشر.
فأين أنت في هذه الأيام الفاضلة من سد حاجة محتاج؟ أين أنت من إطعام جائع؟ أين أنت من كسوة عار؟ أين أنت من إخوانك المسلمين المحتاجين الضعفاء؟
نحن على أبواب عيد مبارك ، وقد جعل الله من شعائره ذبح الأنعام وإطعام القانع والمعتر )وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مّöن شَعَائöرö اللَّهö لَكُمْ فöيهَا خَيْرñ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهö عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإöذَاوَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مöنْهَاوَأَطْعöمُوا القَانöعَوَالْمُعْتَرَّ كَذَلöكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (الحج :36) الفقراء ينتظرونهذا اليوم لأنهم يعرفون أن أيدي الصالحين تمتد فيه بالعطاء ، والصالحون ينتظرونه لأنهم يترقون فيه درجات عالية في العطاء والسخاء.
أنت إن أعطيت لم تعط للمسكين ولا للفقير ولا للمسجد ولا للعمل الخيري ، أنت تعطي لأكرم الأكرمين الذي يرد على المحسن إحسانه أضعافا. ]هَلْ جَزَاءُ الإöحْسَانö إöلاَّ الإöحْسَانُ[ (الرحمن: 60)، وهو لا يرد الإحسان بإحسان، بل يرد الإحسان الواحد بسبعمائة إحسان، بل بألوف وأضعاف مضاعفة.
فهل تعامل الله بالصدقة في هذه الأيام أم تستجيب لنداء الشيطان الذي يقول عنه الرحمن جل وعلا: ]الشَّيْطَانُ يَعöدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بöالْفَحْشَاءöوَاللَّهُ يَعöدُكُم مَّغْفöرَةً مّöنْهُوَفَضْلاً[، والشيطان لا يملك شيئا، ولكن الرحمن يملك كل شيء ]وَاللَّهُوَاسöعñ عَلöيمñ[.
(8) أين أنت من تحسين الأخلاق في أيام العشر ؟
لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لمكارم الأخلاق ، داعياً لأحمدها وأرشدها ، موصياً يحسن الخلق سائر أصحابه وأحبته ، فقد أخرج مَالöك أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ tقَالَ : آخöرُ مَا أَوْصَانöي بöهö رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلمحöينَ وَضَعْتُ رöجْلöي فöي الْغَرْزö أَنْ قَالَ: «أَحْسöنْ خُلُقَكَ لöلنَّاسö يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ».
وعدَّ حسن الخُلُق تمام البر ، فأخرج مسلم عَنْ النَّوَّاسö بْنö سöمْعَانَ الْأَنْصَارöيّö tقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلمعَنْ الْبöرّö وَالْإöثْمö فَقَالَ : «الْبöرُّ حُسْنُ الْخُلُقö»...الحديث
وعبر صلى الله عليه وسلم عن الدرجة العليا والأجر العظيم لحسن الخلق،فيما أخرجه أبو داود وغيره عَنْ عَائöشَةَ رَحöمَهَا اللَّهُ قَالَتْ : سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلميَقُولُ : «إöنَّ الْمُؤْمöنَ لَيُدْرöكُ بöحُسْنö خُلُقöهö دَرَجَةَ الصَّائöمö الْقَائöمö».
ولم لا وحسن الخُُلُق هو أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة ، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه عَنْ أَبöي الدَّرْدَاء ötعَنْ النَّبöيّö صلى الله عليه وسلمقَالَ : «مَا مöنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فöي الْمöيزَانö مöنْ حُسْنö الْخُلُقö».
وفي رواية الترمذي : «مَا شَيْءñ أَثْقَلُ فöي مöيزَانö الْمُؤْمöنö يَوْمَ الْقöيَامَةö مöنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَإöنَّ اللَّهَ لَيُبْغöضُ الْفَاحöشَ الْبَذöيءَ».
وفي رواية أخرى للترمذي : «وَإöنَّ صَاحöبَ حُسْنö الْخُلُقö لَيَبْلُغُ بöهö دَرَجَةَ صَاحöبö الصَّوْمö وَالصَّلَاةö».
وأخرج الترمذي وصححه عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ tقَالَ : سُئöلَ رَسُولُ اللَّهö صلى الله عليه وسلمعَنْ أَكْثَرö مَا يُدْخöلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهö وَحُسْنُ الْخُلُقö».
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا ، فقال فيما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ t :«أَكْمَلُ الْمُؤْمöنöينَ إöيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
فأين أنت من التدرب على تحسين أخلاقك ، وبخاصة في هذه الأيام العشر ؟ .
(9) أين أنت من صلة الأرحام في هذه الأيام العشر؟
صلة الرحم من أفضل الأعمال وأعظمها أجراً ، وقد قرن الله تعالى قطع الأرحام بالفساد في الأرض ، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبöي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبöيّö صلى الله عليه وسلمقَالَ : «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مöنْهُ قَامَتْ الرَّحöمُ فَأَخَذَتْ بöحَقْوö الرَّحْمَنö ، فَقَالَ لَهُ : مَهْ ! قَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائöذö بöكَ مöنْ الْقَطöيعَةö . قَالَ : أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصöلَ مَنْ وَصَلَكö وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكö ؟ قَالَتْ : بَلَى يَا رَبّö . قَالَ : فَذَاكö» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إöنْ شöئْتُمْ )فَهَلْ عَسَيْتُمْ إöنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسöدُوا فöي الْأَرْضö وَتُقَطّöعُوا أَرْحَامَكُمْ( .
وفضلا عن كون صلة الرحم محبة للأهل وسببا في بركة الرزق والعمر وتعجيل الثواب º فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان بالله ، فقد أخرج ابن أبي عاصم وأبو يعلى عن رجل من خثعم أنه قال : يا رسول الله ، أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : «إٍيمَانñ بöاللهö تَعَالَى» . قال : يا رسول الله ، ثم مَهْ ؟ قال : «ثُمَّ صöلَةُ الرَّحöمö» .
فاحرص أخي المسلم الكريم على اغتنام هذه الأيام المباركة لتصل رحمك وبخاصة ما انقطع منها لأي سبب ، واعلم أن الوصل لا يعني أن تصل أولئك الذين يصلونك ويجاملونك ، بل الوصل الحقيقي هو وصل من قطعوك أو قطعت بينك وبينهم الظروف أو الخصومات ، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدö اللَّهö بْنö عَمْرٍو رضي الله عنه عن النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم قَالَ : «لَيْسَ الْوَاصöلُ بöالْمُكَافöئö وَلَكöنْ الْوَاصöلُ الَّذöي إöذَا قُطöعَتْ رَحöمُهُ وَصَلَهَا» .
فلتحرص على صلة رحمك في هذه العشر المباركة ، جعلنا الله وإياكم من الواصلين .
(10) أين أنت من إعداد الأضحية ؟
هذه الشعيرة الكريمة هي في أصلها تشبه بأبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، حين فدى الله ولده سيدنا إسماعيل من الذبح بكبش عظيم أنزله إليه فذبحه الخليل بيده º ليكون ذلك تصديقا لرؤياه ، وذلك في قصة الذبح المعروفة المشهورة .
وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشعيرة الكريمة وحث عليها إعلانا بالشكر لله على نعمه ، وتوسعة ومواساة للفقراء والمساكين ، وتقربا مخلصا لله رب العالمين ، على حد قول الله تعالى )لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَاوَلاَدöمَاؤُهَاوَلَكöن يَنَالُهُ التَّقْوَى مöنكُمْ كَذَلöكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لöتُكَبّöرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْوَبَشّöرö المُحْسöنöينَ ((الحج :37).
والأضحية من أفضل القربات وأعظم الشعائر التي يمارسها المسلم في أيام العيد الأكبر ، إعلانا بشكر نعمة الله وامتثالاً لأمر الله ) فَصَلّö لöرَبّöكَ وَانْحَرْ ( .
وقد روي في فضلها آثارñ حöسانñ ، منها ما أخرجه ابن عبد البر والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا مöنْ نَفَقَةٍٍ بَعْدَ صöلَةö الرَّحöمö أَفْضَلُُ عöنْدَاللهö مöنْ إöهْرَاقö الدَّمö ».
وأخرج عبد الرزاق وابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها قالت : يا أيها الناس ضَحُّوا وطöيبوا أنْفُساً ، فإني سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول : «مَا مöنْ عَبْدٍ تَوَجَّهَ بöأُُضْحöيَتöهö إöلَى الْقöبْلَةö إöلَّا كَانَ دَمُهَا وَفَرْثُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ مُحْضَرَاتٍ فöي مöيزَانöهö يَوْمَ الْقöيَامَةö ، فَإöنَّ الدَّمَ وَإöنْ وَقَعَ فöي التُّرَابö فَإöنَّمَا يَقَعُ فöي حöرْزö اللهö حَتَّى يُوَفّöيَهُ صَاحöبَهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö » .
وأخرج الترمذي وحسنه عَنْ عَائöشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلمقَالَ : «مَا عَمöلَ آدَمöيّñ مöنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرö أَحَبَّ إöلَى اللَّهö مöنْ إöهْرَاقö الدَّمö ، إöنَّهَا لَتَأْتöي يَوْمَ الْقöيَامَةö بöقُرُونöهَا وَأَشْعَارöهَا وَأَظْلَافöهَا وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مöنْ اللَّهö بöمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مöنْ الْأَرْضö فَطöيبُوا بöهَا نَفْسًا».
قال الترمذي : «وَيُرْوَى عَنْ رَسُولö اللَّهö صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهö وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فöي الْأُضْحöيَّةö : (لöصَاحöبöهَا بöكُلّö شَعَرَةٍ حَسَنَةñ) وَيُرْوَى (بöقُرُونöهَا) ».
ولعله يشير إلى ما أخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم بسند ضعيف عَنْ زَيْدö بْنö أَرْقَمَt قَالَ : قَالَ أَصْحَابُ رَسُولö اللَّهö صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللَّهö مَا هَذöهö الْأَضَاحöيُّ؟ قَالَ : «سُنَّةُ أَبöيكُمْ إöبْرَاهöيمَ» قَالُوا : فَمَا لَنَا فöيهَا يَا رَسُولَ اللَّهö؟ قَالَ : «بöكُلّö شَعَرَةٍ حَسَنَةñ» قَالُوا : فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهö؟ قَالَ : «بöكُلّö شَعَرَةٍ مöنْ الصُّوفö حَسَنَةñ» .
فهل أعددت نفسك وميزانيتك لأداء هذه الشعيرة الكريمة على الوجه الأكمل ، فاخترت أفضلَ الأضاحي وأسمنَها وأغلاها وأنفسَها ، كما كان حبيبك صلى الله عليه وسلم يفعل ؟
أخرج الشيخان عَنْ أَنَسٍ tقَالَ : ضَحَّى النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلم بöكَبْشَيْنö أَمْلَحَيْنö (وفي رواية : أَقْرَنَيْنö) فَرَأَيْتُهُ وَاضöعًا قَدَمَهُ عَلَى صöفَاحöهöمَا يُسَمّöي وَيُكَبّöرُ فَذَبَحَهُمَا بöيَدöهö .
وفي لفظ لمسلم : وَيَقُولُ : بöاسْمö اللَّهö وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وعند ابن ماجه وأحمد عَنْ عَائöشَةَ وَأَبöيهُرَيْرَةَرضي الله عنهأَنَّ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلمكَانَ إöذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحّöيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنö عَظöيمَيْنö سَمöينَيْنö أَقْرَنَيْنö أَمْلَحَيْنö مَوْجُوءَيْنö، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتöهö لöمَنْ شَهöدَ لöلَّهö بöالتَّوْحöيدö وَشَهöدَ لَهُ بöالْبَلَاغö، وَذَبَحَ الْآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلö مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم .
وكذا روى أبو داود عَنْ جَابöرö بْنö عَبْدö اللَّهö رضي الله عنهقَالَ : ذَبَحَ النَّبöيُّ صلى الله عليه وسلميَوْمَ الذَّبْحö كَبْشَيْنö أَقْرَنَيْنö أَمْلَحَيْنö مُوجَأَيْنö، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ : «إöنّöي وَجَّهْتُ وَجْهöيَ لöلَّذöي فَطَرَ السَّمَوَاتö وَالْأَرْضَ عَلَى مöلَّةö إöبْرَاهöيمَ حَنöيفًا وَمَا أَنَا مöنْ الْمُشْرöكöينَ ، إöنَّ صَلَاتöي وَنُسُكöي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتöي لöلَّهö رَبّö الْعَالَمöينَ ، لَا شَرöيكَ لَهُ وَبöذَلöكَ أُمöرْتُ وَأَنَا مöنْ الْمُسْلöمöينَ ، اللَّهُمَّ مöنْكَ وَلَكَ ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتöهö ، بöاسْمö اللَّهö وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ ذَبَحَ» .
أسأل الله العظيم أن يتقبل نسكنا وأن يغفر ذنوبنا إنه جواد كريم .
وأخيراً :
أسوق إليك أخي الكريم هذه النصائح الغالية التي رُويت عن هادي البشرية صلى الله عليه وسلم : « اطلبوا الخير دهركم، واهربوا من النار جهدكم ، فإن الجنة لا ينام طالبها ، وإن النار لا ينام هاربها ، وإن الآخرة محففة بالمكاره ، وإن الدنيا محففة باللذات والشهوات ، فلا تلهينكم شهوات الدنيا ولذاتها عن الآخرة ، إنه لا دنيا لمن لا آخرة له ، ولا آخرة لمن لا دنيا له ، إن الله قد أبلغ في المعذرة وبلغ الموعظة ، إن الله قد أحل كثيرا طيبا لكم فيه سعة ، وحرم خبيثا فاجتنبوا ما حرم عليكم ، وأطيعوا الله فإنه لن يحل الله شيئا حرمه ولن يحرم شيئا أحله ، وإنه من ترك الحرام وأكل الحلال أطاع الرحمن ، واستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ، واجتمعت له الدنيا والآخرة ، هذا لمن أطاع الله عز وجل » .
والله ولي التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .