تفجيرات الإسكندرية إفساد في الأرض
أ.د. عبد الرحمن البر
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر
وعضو مكتب الإرشاد
الحمد لله ولي كل نعمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الهدى والرحمة، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعدº فقد فجع المخلصون في هذا الوطن لما حصل في مدينة الإسكندرية من اعتداء آثم على حرمة الوطن ودماء المواطنين، بالتفجير الهمجي الذي هز قلوب المخلصين، وأراد أن يهز معها وحدة وطن عظيم، صانها الإسلام على مدار القرون بسماحته وحمايته لغير المسلمين من أبناء هذا الوطن العزيز، وإيصاء المسلمين بالبر بهم والإقساط إليهم، وتحذيره من التجاوز معهم أو الاعتداء عليهم، فقال تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ لَمْ يُقَاتöلُوكُمْ فöي الدّöينö وَلَمْ يُخْرöجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسöطُوا إöلَيْهöمْ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ﴾ [الممتحنة/8] وأخرج البخارى في صحيحه، في باب: إöثْمö مَنْ قَتَلَ ذöمّöيًّا بöغَيْرö جُرْمٍ، من كتاب: الديات، عَنْ عَبْدö اللَّهö بْنö عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنö النَّبöيّö صلى الله عليه وسلم قَالَ: « مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائöحَةَ الْجَنَّةö، وَإöنَّ رöيحَهَا يُوجَدُ مöنْ مَسöيرَةö أَرْبَعöينَ عَامًا » وأخرج البيهقى في السنن الكبرى، في باب: مَا جَاءَ فöي إöثْمö مَنْ قَتَلَ ذöمّöيًّا بöغَيْرö جُرْمٍ يُوجöبُ الْقَتْلَ، عَنْ أَبöي بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبöيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : « إöنَّ رöيحَ الْجَنَّةö يُوجَدُ مöنْ مَسöيرَةö مöائَةَ عَامٍ، وَمَا مöنْ عَبْدٍ يَقْتُلُ نَفْسًا مُعَاهَدَةً إöلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهö الْجَنَّةَ وَرَائöحَتَهَا أَنْ يَجöدَهَا ». قَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَصَمَّ اللَّهُ أُذُنَيَّ إöنْ لَمْ أَكُنْ سَمöعْتُ رَسُولَ اللَّهö صلى الله عليه وسلم يَقُولُ هَذَا.
إن كل مخلص لدينه ووطنه ليدين هذه الجريمة النكراء وهذا الإفساد في الأرض والبغي بغير الحق، ويذكر فاعليها والواقفين وراءها بقول الله تعالى ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بöغَيْرö نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فöي الْأَرْضö فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمöيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمöيعًا﴾ [المائدة/32].
إن هذه الجريمة المنكرة التي نالت من المسجد والكنيسة المتجاورين ومن المسلمين والمسيحيين الذين تواجدوا في المنطقة لتشير إلى أن ثمة أيادي مجرمة تريد الإفساد في الأرض والعبث بوحدة هذا الوطن وسلامه، وربما كان اختيارها للمكان والزمان مؤشرا على هذه الخطة الخبيثة، بحيث ينظر المسيحيون للأمر باعتباره موجهاً إليهم إذا أصيبت فيه الكنيسة وروادها، ويقع في قلوب المسلمين أنهم المقصودون إذا أصيب المسجد، ويكون ذلك مبررا – لا سمح الله - لانفجار عنف طائفي يهلك البلاد والعباد. وهذا ما ينبغي على العقلاء التنبه له والتحذير منه والتأكيد على رفضه بكل قوة.
والذي لا ريب فيه أن المجرمين المفسدين في الأرض الذين فعلوا ذلك إنما أرادوا الوطن كله بجريمتهم التي تستنكرها الأديان وتستشنعها الإنسانية.
إننا نطالب الأجهزة المعنية بأمن هذا الوطن بالسرعة والدقة والشفافية والوضوح في كشف ملابسات هذه الجريمة النكراء، وبالحسم في معاقبة المجرمين الحقيقيين الذين وقفوا وراءها أيا ما كان دينهم أو موقعهمº حماية لوحدة الأمة ودرءا لمخاطر الفتنة.
حمى الله مصرنا العزيزة من عبث العابثين ورد عنها كيد المجرمين ووقاها شر دعاة الفتنة والمفسدين. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.