سأل رجل أحد الصالحين:ما رأيك في أهل هذا الزمان.؟ قال في حسرة: اعترفوا بالله و تركوا أمره و قرءوا القرآن و لم يعملوا به و قالوا نحب الرسول و لم يتبعوا سنته و قالوا نحب الجنة و تركوا طريقها و قالوا نكره النار و تسابقوا إليها و قالوا إبليس لنا عدو و أطاعوه و دفنوا أمواتهم و لم يعتبروا بهم و اشتغلوا بعيوب إخوانهم و نسوا عيوبهم و جمعوا المال و نسوا الحساب و بنوا القصور و نسوا القبور....أما طغاة هذا الزمان فهم انكي واشد... أحبوا الدنيا ونسوا الآخرة ، عشقوا الحياة وكرهوا الموت ..عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم ...يحسبون أن دنياهم لا تبيد .. وعزهم لا يحيد، وشمسهم لا تغيب..وملكهم لا يبلي ..!!كصاحب الجنتين..الذي جاء ذكره في سورة الكهف "وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالöمñ لّöنَفْسöهö قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبöيدَ هَذöهö أَبَداً "(الكهف:35) الطغاة هنا كصاحب الجنتين لأنه ظلم نفسه قبل أن يظلم غيره ، وصاحبه كالشعوب الفقيرة المتمسكة بربها وبدينها وبعقيدتها وهويتها..يقول الشهيد صاحب الظلال
قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية, وترسمنموذجينواضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة, والنفس المعتزة بالله. وكلاهما نموذجإنسانيلطائفة من الناس:صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري , تذهله الثروة , وتبطرهالنعمة , فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة . ويحسب هذهالنعمةخالدة لا تفنى , فلن تخذله القوة ولا الجاه ، ولن يخدعه السلطان ولن يضره الشيطان ، وصاحبه نموذج للرجل المؤمنالمعتزبإيمانه , الذاكر لربه , يرى النعمة دليلا على المنعم , موجبة لحمده وذكره ,لالجحوده وكفره. " وَاضْرöبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنö جَعَلْنَا لöأَحَدöهöمَا جَنَّتَيْنö مöنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بöنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كöلْتَا الْجَنَّتَيْنö آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلöمْ مöنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خöلَالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرñ فَقَالَ لöصَاحöبöهö وَهُوَ يُحَاوöرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مöنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً"( الكهف :31-33).وكانله ثمر .وهاهو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما , ويزدهيه النظر إليهما , فيحس بالزهو , وينتفش كالديك , ويختال كالطاووس , ويتعالى على صاحبه الفقير: (فقال لصاحبه - وهويحاوره - أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا). ثميخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين , وملء نفسه البطر , وملء جنبه الغرور ; وقدنسيالله , ونسي أن يشكره على ما أعطاه ; وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدا ,أنكرقيام الساعة أصلا , "وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالöمñ لّöنَفْسöهö قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبöيدَ هَذöهö أَبَداً"(الكهف:35)..وفوق ذلك "وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائöمَةً وَلَئöن رُّدöدتُّ إöلَى رَبّöي لَأَجöدَنَّ خَيْراً مّöنْهَا مُنقَلَباً"(الكهف:36) إنهالغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء, أن القيم التي يعاملهمبهاأهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى !( يقولون أن غني الدنيا هو غني الآخرة ) أماالصاحب الفقير الذي لا مال له ولا نفر , ولا جنة عنده ولا ثمر . . فإنه معتزبماهو أبقى وأعلى . معتز بعقيدته وإيمانه . معتز بالله الذي تعنو له الجباه ; فهويوجهصاحبه المتبطر المغرور منكرا عليه بطره وكبره , يذكره بمنشئه المهين من ماءوطين , ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم . وينذره عاقبة البطر والكبر . ويرجوعندربه ما هو خير من الجنة والثمارقال له صاحبه - وهو يحاوره - أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ? لكنا هو الله ربي , ولا أشرك بربي أحدا . ولولا إذ دخلت جنتك قلت:ما شاء الله لاقوةإلا بالله . إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا . فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ,ويرسلعليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا , أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع لهطلبا. . وهكذاتنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة, فلا تبالي المال والنفر , ولا تداريالغنىوالبطر , ولا تتلعثم في الحق , ولا تجامل فيه الأصحاب . وهكذا يستشعر المؤمنأنهعزيز أمام الجاه والمال, وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة, وأن فضل اللهعظيموهو يطمع في فضل الله. وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلينالمتبطرين، (لكن المتبطرين أذن من طين وأذن من عجين ) لم يفهموا ولم يسمعوا.."كانت النتيجة .. وَأُحöيطَبöثَمَرöهö " و فجأةينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار . ومنهيئةالبطر , والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار ..!!
طغاة اليوم كونوا ثروات، وبنوا كروش ، ومصوا دماء الشعوب المؤمنة بربها ، الراضية بقدرها ، لكنها لا ترضي بالظلم علي طول الطريق فانتفضت وثارت وتحررت وما عادت مستكينة ، أما الطغاة وأعوان الطغاة قالوا مثل ما قال صاحب الجنتين " مَا أَظُنُّ أَن تَبöيدَ هَذöهö أَبَداً "(الكهف:35) لكن كلام القران نافذ ، وظلال القران شاهد ..!!! وأبيدوا هم قبل أن تباد ثرواتهم " .. وَأُحöيطَبöثَمَرöهö فَأَصْبَحَ يُقَلّöبُ كَفَّيْهö عَلَى مَا أَنفَقَ فöيهَاوَهöيَخَاوöيَةñ عَلَى عُرُوشöهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنöي لَمْ أُشْرöكْ بöرَبّöيأَحَداً*"(الكهف:42)وانفك عنهم أعوانهم ، وتخلي عنهم نصراءهم ، وتبرأ منهم نظراءهم .. وصدق الله " وَلَمْ تَكُن لَّهُ فöئَةñ يَنصُرُونَهُ مöن دُونö اللَّهö وَمَاكَانَمُنتَصöراً"( الكهف 43) وأمامهذا المشهد يضرب مثلا للحياة الدنيا كلها . فإذا هي كتلك الجنة المضروبةمثلاقصيرة قصيرة, مهما بقيت وظنها البعض طويلة..!! لكن لا بقاء لها ولا قرار لها " وَاضْرöبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةö الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مöنَ السَّمَاءö فَاخْتَلَطَ بöهö نَبَاتُ الْأَرْضö فَأَصْبَحَ هَشöيماً تَذْرُوهُ الرّöيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّö شَيْءٍ مُّقْتَدöراً (الكهف:45 )
فالمال يفني والملك لا يبقي، السلطان يزول وعز الدنيا لا يدوم ولا يبقي إلا ولاية الله "هُنَالöكَ الْوَلَايَةُ لöلَّهö الْحَقّö هُوَ خَيْرñثَوَاباًوَخَيْرñ عُقْباً "(الكهف: 44) هل يعي طغاة اليوم ؟..هل يفهم طغاة اليوم..؟ هل يتفهم طغاة اليوم وكل يوم إرادة الشعوب..؟!! لعلهم يتعلمون الدرس..!! " وَسَيَعْلَمُ الَّذöينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلöبُونَ "(الشعراء:277)
اللهم اجعل بلادنا وسائر بلاد المسلمين في امن وسلام ، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا اللهم اجعلنا مهاجرين إليك متوكلين عليك واثقين في معيتك ، مستعينين بك ... اللهم احشرنا مع المهاجرين والأنصار والصالحين والأخيار ، والمرسلين الأطهار ،،والشهداء الإبرار اللهم فقهنا في ديننا ، وفهمنا شرعة ربنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ،ولا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ،وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي أهله وصحبه وسلم،والحمد لله رب العالمين .
خميس النقيب