سئل القرضاوي من قبل صحيفة الراية القطرية عن رأيه بعملية استنساخ الإنسان، فردّ معتذراً بأن هذا وضع جديد يحتاج إلى بصر ونظر ولا تجدي معه العجالة، فهو غير مسبوق، كما لا يقاس عليه.
وقرر عدداً من الحقائق المتعلقة بالاستنساخ أصلاً فقال:
الإسلام يرحب عموماً بالعلم والبحث العلمي، ويرى من فروض الكفاية على الأمة المسلمة أن تتفوق في كل مجال من مجالات العلم الذي تحتاج إليها الأمة في دينها أو دنياها، بحيث تتكامل فيما بينها، وتكتفي اكتفاء ذاتياً في كل فرع من فروع العلم وتطبيقاته، وفي كل تخصص من التخصصات، حتى لا تكون الأمة عالة على غيرها.
ولكن (العلم) في الإسلام، مثله مثل العمل، والاقتصاد والسياسة والحرب، كلها يجب أن تتقيد بقيم الدين والأخلاق، ولا يقبل الإسلام فكرة الفصل بين هذه الأمور وبين الدين والأخلاق، كأن يقول قائلون: دعوا العلم حراً، ودعوا الاقتصاد حراً، ودعوا السياسة حرة، ودعوا الحرب حرة، ولا تدخلوا الدين أو الأخلاق في هذه الأمور، فتضيقوا عليها، وتمنعوها من النمو والانطلاق وسرعة الحركة.
المفاسد المترتبة عن الاستنساخ
إن الإسلام يرفض هذه النظرة التي أفسدت العلم والاقتصاد والسياسة، ويرى أن كل شيء في الحياة يجب أن يخضع لتوجيه الدين .. وأضاف: إن منطق الشرع الإسلامي – بنصوصه المطلقة، وقواعده الكلية، ومقاصده العامة – يمنع دخول هذا الاستنساخ في عالم البشر، لما يترتب عليه من المفاسد الآتية:
الاستنساخ ينافي التنوع:
أولاً: إن الله خلق هذا الكون على قاعدة (التنوع) ولهذا نجد هذه العبارة ترد في القرآن كثيراً بعد خلق الأشياء والامتنان بها على العباد (مختلف ألوانه) فاختلاف الألوان تعبير عن ظاهرة التنوع وحسبنا أن نقرأ قول الله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر: 27/28).
والاستنساخ يناقض التنوع، لأنه يقوم على تخليق نسخة مكررة من الشخص الواحد، وهذا يترتب عليه مفاسد كثيرة في الحياة البشرية والاجتماعية، بعضها ندركه وبعضها قد لا ندركه إلا بعد حين.
تصور فصلاً من التلاميذ المستنسخين، كيف يميز المدرس بين بعضهم وبعض؟ كيف يعرف زيداً من عمرو من بكر؟
وكيف يعرف المحقق من ارتكب جرماً من غيره، والوجوه واحدة، والقامات واحدة، والبصمات واحدة؟
بل كيف يعرف الرجل زوجته من غيرها والأخرى نسخة مطابقة لها؟ وكيف تعرف المرأة زوجها من غيره، وغيره هذا صورة منه؟
ومن ناحية أخرى لا يؤمن أن يستخدم في الشر، كما استخدمت القوة النووي، وغيرها في التدمير وإهلاك الحرث والنسل.
فما الذي يضمن لنا ألا تأتي بعض القوى الكبرى أو من يقلدها فتستنسخ جيشاً من الأقوياء والعمالقة لتسحق به الآخرين؟
وما الذي يضمن لنا أن تأتي بعض هذه القوى الكبرى وتستخدم نفوذها لمنع الآخرين من هذا الاستنساخ وتحرمه عليهم، في حين تحله لنفسها كما فعلوا في الأسلحة النووية؟
وذكر العلامة القرضاوي ضرراً آخر لهذا الاستنساخ فقال:
الاستنساخ ينافي سنة (الزوجية):
إن الاستنساخ بالصورة التي قرأناها وشرحها المختصون، ينافي ظاهرة الازدواج، أو سنة الزوجية في هذا الكون الذي نعيش فيه.
فالناس خلقهم الله أزواجاً من ذكر وأنثى، وكذلك الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، بل كذلك النباتات كلها.
بل كشف لنا العلم الحديث أن الازدواج قائم في عالم الجمادات، كما نرى في الكهرباء ظاهرة الموجب والسالب، بل إن (الذرة) – وهي وحدة البناء الكوني كله – تقوم على إلكترون وبروتون، أي شحنة كهربائية موجبة، وأخرى سالبة، ثم النواة.
والقرآن الكريم يشير إلى هذه الظاهرة حين يقول (وخلقناكم أزاوجا) (النبأ:8)، (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى) (النجم:45/46)، ويقول (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس:36)، ويقول (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات:49)، ولكن الاستنساخ يقوم على الاستغناء عن أحد الجنسين، والاكتفاء بجنس واحد، حتى قالت إحدى النساء الأميركيات: سيكون هذا الكوكب بعد ذلك للنساء وحدهن.
وهذا ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وليس هذا في مصلحة الإنسان بحالة من الأحوال.
فالإنسان بفطرته يحتاج إلى الجنس الآخر، ليس لمجرد النسل، بل ليكمل كل منهما الآخر، كما قال تعالى (بعضكم من بعض) (آل عمران:195).
وليستمتع كل منهما بالآخر، كما قال تعالى في تصوير العلاقة الزوجية (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) (البقرة:187).
ولهذا حينما خلق الله آدم وأسكنه الجنة، لم يبقه وحده، ولو كان في الجنة، بل خلق له من نفسه زوجاً ليسكن إليها، كما تسكن إليه، وقال له (اسكن أنت وزوجك الجنة) (البقرة:35).
وإذا كان كل من الرجل والمرأة في حاجة إلى صاحبه ليسكن إليه، وتقوم بينهما المودة والرحمة، فإن ذريتهما أشد ما تكون حاجة إليهما، أي إلى جو الأسرة، إلى الأمومة الحانية، وإلى الأبوة الراعية إلى تعلم الفضائل من الأسرة، فضائل المعاشرة بالمعروف، والتفاهم والتناصح والتباذل، والتعاون على البر.
وقد علم الناس أن أطول الطفولات عمراً هي الطفولة البشرية التي تمتد لسنوات، يكون الطفل فيها في حاجة إلى أبويه وإلى أسرته مادياً وأدبياً، ولا تتم تربية الطفل تربية هوية مكتملة إلا في ظل أبوين يحبانه ويحنوان عليه، وينفقان الغالي والرخيص حتى يكتمل نموه، وهما في غاية السعادة بما يبذلان لأولادهما، دون منّ ولا أذى.
والاستنساخ لا يحقق سكن كل من الزوجين إلى الآخر، كما لا يحقق الأسرة التي يحتاج الطفل البشري إلى العيش في ظلالها وحماها، واكتمال نموه تحت رعايتها.